الصفحة 4 من 25

أما الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله -، فقد عقد بحثا في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) بعنوان: السنة تشريع وغير تشريع، قسَّم فيه كلَّ ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوالٍ وأفعالٍ وتقريراتٍ، إلى سنةٍ تشريعيةٍ وسنةٍ غير تشريعيةٍ، وجعل تحت القسم الثاني: كل ما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء، وما سبيله التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كشؤون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره، وما سبيله التدبير الإنساني كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف والكمائن، واختيار أماكن النزول ... وغيرها [18] .

ثم قال بعد ذكرِ ما يشمله هذا القسم: «وكل ما نُقِل من هذه الأنواع ليس شرعًا يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من شؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعا ولا مصدر تشريع ... هذا ومن المفيد جدا معرفة الجهة التي صدر عنها التصرف، وكثيرا ما تخفى فيما ينقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا ينظر فيه، إلا من جهة أن الرسول فَعَلَه أو قالَه أو أقرَّه، ومن هنا نجد أن كثيرًا مما نُقِل عنه صلى الله عليه وسلم صُوِّر بأنه شرعٌ أو دينٌ وسنةٌ، أو مندوبٌ، وهو لم يكن في الحقيقة صادرًا على وجه التشريع أصلًا» [19] .

ثم تَوسع كثير من المعاصرين في إخراج الكثير من سنن النبي صلى الله عليه وسلم من دائرة التشريع، «والعجيب أن المسألة قد تواطأت عليها ألسنة وأقلام دعاة التجديد العصراني والمتأثرين بهم، فأبدؤوا فيها وأعادوا، وكرر المتأخرون منهم حجج المتقدمين دون كلل ولا ملل، وقد اشتط بعضهم في هذه المسألة شططا كبيرا بينما توسط البعض الآخر، ولم تتفق كلمتهم على تعريف محدد، وضوابط واضحة لما يعد من السنة التشريعية وما لا يعد» [20] .

فالدكتور محمد عمارة [21] - مثلًا - حصر السنة التشريعية في أمور الغيب، وما لا يستقل العقل بإدراكه، وفي الثوابت الدينية - دون أن يُبَيِّنَ ما هي هذه الثوابت بدقة -، أما السنة غير التشريعية؛ فهي عنده ما تعلق باجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم في فروع المتغيرات الدنيوية، كأمور السياسة والحرب والمال، والمنازعات والخصومات، والعمران الاجتماعي، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلامية ... فهذا كله ليس من السنة التشريعية، ولا يلزم المسلمَ الأخذُ بشيءٍ منها إن هو رأى المصلحة في غيرها [22] .

أما الأستاذ فهمي هويدي [23] ، فلم يختلف رأيه عن ما قرره محمد عمارة، بل أكد هذا التوجه بتقريره أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم - وقد عبر عنها هو بالتجربة - «لا تلزم المسلمين إلا في حدود معينة؛ إذ ليس صحيحا ما يروجه البعض؛ من أن كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو إقرار؛ يُعَدُّ سنة واجبةَ الاتباع، والتفرقة ضرورية بين ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام باعتباره رسولا ونبيًا، وبين ما صدر عنه باعتباره إنسانًا له تجربته الدنيوية وخبراته الخاصة ... وقصة تلقيح النخل الشهيرة تعبر عن ذلك بوضوح» [24] .

لكن الشطط بلغ ببعض خصوم السنة إلى حدِّ اعتبارِ ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم خاصًا بذلك الزمان غير ملزم لكافة الناس، كونه ناتجًا من خبرات البيئة وتجاربها التي تتناسب مع بيئة معينة في حرارتها، ومناخها، وظروفها كالبيئة الصحراوية العربية [25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت