عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - قال: (( إن الدين يسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوةِ والرَّوْحَةِ، وشيءٍ من الدُلْجَةِ ) ).
وفي روايةٍ: (( لن يُنجي أحدًا منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا، إلا أنْ يَتَغمَّدني اللهُ برحمة، سددوا، وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدلجة والقصدَ القصدَ تبلغوا ) ).
بيان غريب الحديث:
يُشاد: المُشادة والمشاددة: المغالبةُ، وشادَّه مُشادَّة وشِدادًا: غالبه. والمشادةُ في الشيء: التشدد فيه، والمعنى في الحديث مغالبة هذا الدين بتكليف النفس من العبادة فوق الطاقة [1] .
سَدِّدُوا: أي اطلُبوا بأعمالكم السَّداد و الاستقامةَ، وهو القَصْد في الأمر والعَدْلُ فيه [2] .
قارِبُوا: أي اقْتَصِدوا في الأمور كلها واتْرُكوا الغُلُوَّ فيها والتَّقْصير يقال قارَب فُلانٌ في أموره إذا اقْتَصد [3] .
الغَدْوةُ: بفتح الغين المعجمة اسم مرةٍ، من الغدو وهو سير أول النهار.
الرَّوْحَةُ: سير آخر النهار وهي عكس الغَدْوة.
الدُّلْجَةُ والدَّلْجَةُ: سير الليل، وقيل: والدُّلْجَةُ: سَيْرُ السَّحَرِ، والدَّلْجَةُ: سَيْرُ الليل كلِّه. والدَّلَجُ، والدَّلَجانُ والدَّلَجَة: الساعة من آخر الليل، والفعل الإِدْلاجُ. و أَدْلَجُوا: ساروا من آخر الليل. و ادَّلَجُوا ساروا الليل كله. وأنشدوا لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله:
اِصْبِرْ على السَّيْرِ والإِدْلاجِ في السحَرِ ... وفي الرَّواحِ على الحاجاتِ والبُكَر
فجعل الإِدلاج في السحر [4] .
القَصْدَ القَصْدَ: أي عليكم بالقَصْد من الأمور في القَول والفعل وهو الوَسَط بين الطَّرَفَين، وهو منصوبٌ على المصدر المؤكِّد، وتكْرارُه للتأكيد [5] .
وقد تضمن هذا الحديث جملةً عظيمة من الفوائد، وإليك ذكر بعضها في هذه الوقفات:
الأولى: أنَّ الدين كله مبناه على اليُسر.
اليسر: ضِدّ العُسْرِ، والمعنى أنَّ الدين سَهْلٌ سَمْحٌ قَلِيلُ التَّشْدِيد [6] .
(1) ينظر: لسان العرب (شدد) .
(2) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 352) .
(4) لسان العرب (دلج) .
(5) النهاية في غريب الحديث والأثر (4/ 67) .
(6) ينظر النهاية في غريب الحديث (5/ 294) .