دين الإسلام مبناه على اليُسر ونفي الحرج والعسر، وهذا أصل أصيل في دين الله، وقد دلت عليه نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه -، من ذلك:
قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ... (185) } [سورة البقرة 2/ 185] وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ... (6) } [سورة المائدة 5/ 6]
ومن السنة: حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: لما بعثه رسول الله - ومعاذ بن جبل قال لهما: (( يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ) ) [1] . وحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (( يسروا ولا تعسروا، وسَكِنُوا ولا تنفروا ) ) [2] .
فالحرج والمشقة منفيان عن أحكام الشرع المطهر، فليس في أحكام هذا الدين حكمٌ لا يُطاق فعله، ولا يُستطاع امتثاله. ومن القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي قاعدة: "المشقة تجلب التيسير".
والمشقة نوعان:
-مشقة معتادة، تكون وصفًا لازمًا لأي نوع من التكاليف الشرعية، وغير الشرعية، فهذه المشقة غير مؤثرةٍ في الحكم، وامتثال الأمر ممكن معها.
-مشقة تعود بالضرر على العامل في نفسه، أو ولده، أو ماله، فهذه مشقةٌ منفيةٌ عن دين الإسلام [3]
المسألة الثانية: في التحذير من الغلو
فإنَّ مشادة الدين هي في تكليف النفس من العبادة ما لا تطيق، وهذا هو معنى الغلو، فتجاوز الحدود الشرعية التي حدَّ الله ورسوله -، هو مغالبةٌٍ لها.
ومعنى غلبة الدين له: أنَّ الغالي في دينه مآل غلوه إلى تقصير أوترك للعمل بالكلية؛ فإذا حصل ذلك صار الدين غالبًا له.
والغلو شرٌ كله، وهو مذموم في كل عمل، ومن كل أحد، وقد كان سبب هلاك الأمم قبلنا، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (( إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) ) [4] .
والغلو خروج عن حد الاعتدال -الذي يستطيع الإنسان الثبات عليه-؛ فإن الغالي لا تثبت قدمه على سبيل الطاعة ثبوتًا دائمًا. بل عمله شِرَّةٌ سرعان ما تعود إلى فَتْرةٍ، وأحب العمل إلى الله ما ثبت عليه صاحبه. عن عائشة أنَّ النبي - قال: (( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تُطِيقون، فإنَّ اللهَ لا يمل حتى تَملُّوا، وإن أحبَ الأعمالِ إلى الله ما دُووم عليه وإنْ قل، وكان آل محمد - إذا عملوا عملا أثبتوه ) ) [5] .
(1) أخرجه البخاري (حديث5773) .
(2) أخرجه البخاري (حديث5774) .
(3) لمزيد اطلاع ينظر كتاب رفع الحرج عن الشريعة للدكتور صالح بن عبد الله بن حميد.
(4) رواه النسائي (حديث3057) ، وابن ماجه (حديث3029) ، وابن حبان (حديث3871) .
(5) رواه البخاري (حديث5523) ، ومسلم (حديث782) واللفظ لمسلم.