والغالي قاصر النظر على ما انبعثت همته إليه، وحبس نفسه عليه، ولا بد لمن هذا حاله أن يلحقه من النقص في جوانب أخرى سواء في عبادته أوسلوكه أو سائر عمله، وسرِّح طرفك في حال من ابتلي بشيءٍ من ذلك لترى ثمرات الغلو النكدة تنطق بذلك.
والمقصود أنَّ الغالي في دينه سلك السبيل الأشد والأشق، وخالف هدي من إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما -.
المسألة الثالثة: في بيان فضيلة الاستقامة والتوسط.
تقدَّم أنَّ قوله:"سددوا" أي اطلبوا السداد والاستقامة بأعمالكم.، وقوله:"قاربوا" أي اقتصدوا في الأمور كلها.
والمعنى الزموا التوسط في الاستقامة على طاعة الله، لأنَّه لا سبيل إلى الثبات على الاستقامة إلا بسلوك المنهج الوسط الذي لا غلو فيه وجفاء، وهو ما تألفه النفوس، وتستطيعه الأبدان.
وقد أكد النبي - لزوم التوسط في الرواية الأخرى بقوله:"والقصدَ القصدَ تبلغوا"، وتأمل وجه الترابط بين لزوم القصد وهو التوسط والاعتدال، وبين بلوغ القصد، وهو دخول الجنة، ليظهر لك أنَّه ليس ثمةَ سبيلٌ لبلوغ المقصد إلا بلزوم القصد.
فليس فمعنى "سددوا وقاربوا" الاتيان بالأحكام الشرعية على وجه الترقيع والتهاون، بل هو التزامٌ واستقامةٌ على منهج التوسط والاعتدال.
المسألة الرابعة: وجوب تعلق القلب بالله، وحسن التوكل عليه.
فإن قوله:"لن يُنجي أحدًا منكم عملُه" يوجب ألاَّ يتكل الإنسان على عمله المجرد؛ لأنَّه لا يدخل الجنة به، وإنما برحمة أرحم الراحمين، وهذا يستوجب بذل الجهد في إصلاح العمل مع صدق اللجأ إلى الله في قبول العمل؛ لأنَّ قبول العمل إنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وهذا وجهٌ من أوجه التوفيق بين هذا الحديث وقوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) } [سورة النحل 16/ 32] [1] .
وفي الحديث إشارة إلى أنه إذا كان النبي - الذي هو أعلم الخلق بالله، وأتقى الخلق لله، وأشد الخلق خشية من الله، وأعظم الخلق عبادةً لله لن يُنجيه عمله، فإن غيره من باب أولى.
وفي قوله - "أبشروا" بعد أمره بالسداد والمقاربة، ما يدل على أنَّ التوفيق للأعمال الصالحة بُشرى للمؤمن، تزيده ظنًا حسنًا بربه تبارك وتعالى.
الخامسة: التنبيه على أوقات النشاط والحث على استثمارها:
يتبين ذلك في قوله:"عليكم بالغدوة والروحة"، وقوله:"وشيئًا من الدلجة" فإنَّ فيهما تنبيهًا على أوقات نشاط العامل، وحثًا على استثمارها.
والإنسان في سيره إلى الدار الآخرة كالمسافر الذي الذي يقطع المراحل في سفره. ولما كان سير النهار كله، والليل كله غير ممكن، نبَّهه إلى الأوقات الفاضلة التي يجد السائر فيها عونًا من نفسه على سيره، ويعظم فيها ثوابه.
السادسة: سماحة الشريعة تقتضي سماحة الملتزمين بها.
(1) للمزيد من الأجوبة في التوفيق بين الآية والحديث ينظر فتح الباري (1/ 95) .