إذا كانت أحكام الشريعة مبناه على اليسر والسماحة، فإن الملتزم بها يناله من يسرها وسماحتها بقدر التزامه. وقد ثبت في الصحيح قوله: (( فإنما بعثم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) ) [1] .
وإذا أعرض المرء عن تعاليم الشريعة، حصل له ما ينافي اليُسر والسماحة من الغلو أو الجفاء بقدر إعراضه.
فمتى رأيت جافيًا في خلقة، أو غاليًا في حبه وبغضه، أو متشددًا في عبادته، أو ضيق العطن بمن يخالفه، فاعلم أنَّ ذلك إنما حصل له بسبب إعراضه عن تعاليم الدين حقيقةً، وإن بقيت عليه بعض الرسوم والمسوح، فإنَّ العبرة بالعمل، وليست بالزي والتصنع.
وانظر برهان ذلك في سيرة النبي - فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وكان الأمر بالتيسير وصيته إلى رسله إذا بعثهم بتبليغ الدين.
السابعة: التنبيه على فهم كليل لهذا الحديث.
هذا الحديث وما جرى مجراه من النصوص الدالة على يُسر الشريعة وسماحتها، ربما تعلق بها بعض الباحثين عن متكأٍ يبررون به تفلتهم من قيود الشريعة وأحكامها.
فإذا نظرنا أعشى البصر كليلُ الفهم إلى هذا الحديث، حسبه لفرط جهله دليلًا له على تقصيره في فعل الأوامر، أو ارتكاب المحظورات، فإذا لامه لائمٌ على تقصيره، ساق النصوص الدالة على يسر الشريعة وسماحتها.
فيسر الشريعة حقٌ لا مرية فيه، وليس دليلًا على يسر التفلت من تكاليفها، والتلاعب بأحكامها، وإنما هو التزامٌ بأحكامها وتعلقٌ بأهدابها، وعَضٌ عليها بالنواجذ؛ لأنها سمحة يسيرة في أحكامها وتشريعاتها، وسطٌ بين الغلاة والجفاة، فمن تمسك بها فإنَّه على نهج الاعتدل واليُسر والسماحة. فالحمد لله على فضله وهدايته.
هذه بعض الوقفات التي سمح بها الوقت والمكان، ولا يزال في الحديث بقية بحث؛ فإنَّه من جوامع كلمه -.
اللهم يسر لي كل عسير، فإن تيسر العسير عليك يسير
وكتبه: عبد المحسن بن عبد الله التخيفي.
الرياض: 15/ 4/1423هـ.
(1) أخرجه البخاري (حديث217) .