والصيد فيه آمن لايجد من يُروِّعه , فضلا عن أن يلحق به الأذى , حتى نبات الحرم الذي لم يغرسه الإنسان يبقى على حاله لايحركه أحد وإن احتاج إليه إلا ما استثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو شجر الإذخر لاحتياج الناس إليه آنذاك .
وإذا كان الحيوان في مكة المكرمة يبقى في أمن وأمان, والنبات لايَعتدي عليه أحد فكيف بحرمة المسلم داخل الحرم ؟! لاشك أنها مضاعفة وانتهاكها جريمة عظيمة .
وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يعظمون حرمة الحرم الشريف , حتى إنهم كانوا يتحرجون فيه مما لايتحرجون منه في غيره , كما رُوي عن عبد الله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما أنه كان إذا قدم إلى مكة يكون له فسطاطان , أحدهما في الحل والآخر في الحرم , فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم , وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل , صيانة للحرم من قول: بلى والله وكلا والله حين عظَّم الله الذنب فيه .
ذكره الإمام القرطبي في تفسيره , وذكر نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (1) .
وكذلك كان بعض التابعين يعظمون الحرم , فيتحرجون من الإقامة فيه , ومما رُوي في ذلك ماذكره الشيخ أبو حفص عمر بن محمد المَلاَّء من خبر القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن عمر بن عبد العزيز كان يقيم في عمرته يومين ويخرج في الثالث , فقال له عبد الله بن عمر ابن عيسى بن عمار: لو أقمت فاستمتعت بهذا البيت واستمتعنا معك ! فقال: ما أظن أحدا منكم أشد حبا لهذا البيت مني , ولكن والله لكأني على الرضف ( أي الحجارة المحماة) من حين أدخله إلى حين أخرج فرقا ( أي خوفا ) من أن أحدث (2) ( أي أن أقع في معصية ) .
(1) ... تفسير القرطبي 12/34 .
(2) ... الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز /47 .