وهكذا تبين لنا من هذا الحديث أصل تشريع السعي بين الصفا والمروة والحكمة من ذلك ، وأن هذا النسك من باب التأسي بأم إسماعيل عليهما السلام اللَّذين ينتسب إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حيث سعَتْ بين الصفا والمروة سبع مرات ، وأسرعتْ في الوادي، فشُرع في الحج السعي بينهما سبع مرات والإسراع بين العلمين الأخضرين اللذين هما إشارة إلى الوادي في وضعه القديم.
ولقد تبين لنا في الحديث علاقة السماء بالأرض، والارتباط الوثيق بين من في السموات ومن في الأرض، وأن المؤمن التقي موصول بربه جل وعلا، وأنه سبحانه مع أوليائه المؤمنين إذا صدقوا معه بنصره وحمايته وعنايته، وقد كان إبراهيم عليه السلام موقنًا بأن الله تعالى لن يضيع تَرِكتَه التي خلَّفها وراء ظهره .
لقد كان أولياء الله عز وجل يسيرون في الأرض ويعملون بالأسباب التي شرعها سبحانه مع يقينهم بقربه منهم ولطفه بهم ، وهكذا فعلتْ أم إسماعيل حينما كررتْ صعود الصفا والمروة والسعي بينهما وكلها ثقة بأنها ووليدها موصولان بعناية الله جل وعلا، الأمرَ الذي عبَّرت عنه بقولها « إذنْ لايضيعنا » .
إن السعي بين الصفا والمروة تذكير بهذه المعاني الجليلة .. من الثقة التامة بالله عز وجل ، وتذكُّر إحاطته بخلقه وأنهم في كنَفِه جل وعلا وحياطته ، مع بذل الجهد في عمل الأسباب التي خلقها الله سبحانه وجعلها موصلة لغاياتها .
إن الحاج حينما يتذكر هذه المعاني السامية يُضفي على سعيه بين الصفا والمروة قدرًا كبيرًا من الحيوية والطمأنينة ، ويجعلُ من هذا النسك فاعلًا قويًّا في زيادة إيمانه ورسوخ يقينه .