فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 26

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:

حدثني الشيخ فقال:

كنت في بلد أوربي يكثر فيه المغتربون من اللاجئين المسلمين الذي سكنوا في هذه البلاد طلبًا لحياة أفضل، وبعدما انتهيت من صلاة التراويح وإلقاء المحاضرة بعدها، جاء إلىّ أحد الأخوة الكرام وقال:

يا شيخ أحد الأخوة العرب سمع عن مجيئك إلى هنا للدعوة فأحب أن تقابل ابنه!! فتعجبت وقلت: أقابل ابنه؟!!

لماذا لا أقابله هو؟! ولماذا لا يأتي إليّ ويطلب ذلك بنفسه؟

فقال: هو لا يصلي معنا، ولكن ولده يشكو من مشكلة، ويريدك أن تشارك في حلها ..

فركبت مع هذا الأخ في سيارته وذهبنا إلى هناك .. فلما دخلنا فإذا بشيخ قد ناهز الستين سنه من عمره، طُرّد فيها وشُرّد، وعُذّب وسجن، ثم استقر به المقام مع فلذات كبده في بلاد الكافرين، فعاش فيها آمنًا مطمئنًا يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان، سلم عليّ بحرارة ثم أدخلني إلى غرفة الجلوس ..

وبعدها حدثني بطرف من قصة حياته المؤلمة وكيف أنه أتى إلى هذه البلاد طلبًا لراحة البال في زمن الشيخوخة بعد شقاء الشباب وعذابه!! قلت له: وهل وجدت راحة البال؟

قال: فيما يظهر للناس: نعم بيت واسع .. وسيارة فارهة .. وراتب مجزي .. ولا عمل ولا نصب .. ولا كدح ولا تعب .. ولا تشريد ولا خوف ..

كل من رآني ظن أنني مرتاح البال وتمنى لو أنه في مكاني، ولكن الحقيقة هي أنني أتعس الناس!!

لا أحكم أولادي ولا بناتي!! .. ولا أحكم زوجتي!!

بل لا أشعر أنني رجل له شخصيته ومسئوليته .. حياتي رتيبة جدًا! بل مملة جدًا .. أشعر كأنني آلة أو جهاز ينتظر صانعه أن تنتهي مدة صلاحيته ليستبدله بغيره ..

ثم تدارك هذا الشيخ الكبير نفسه وقال: عفوًا يا شيخ!! أنا لم أطلب مقابلتك لأجل أن أبث إليك هذه الهموم، فهي أكبر من أن يحويها مجلس واحد .. وإنما أردت مقابلتك لأجل مشكلة لأصغر أولادي ..

أصغر أولادي - يا شيخ - عمره تسع عشرة سنة، وقد جاء إلى هذه البلاد وعمره خمس سنوات، درس في مدارس هذه البلاد .. وخالط أهلها في مدارسهم .. وأسواقهم .. وبيوتهم .. وملاعبهم .. و .. ولم أكن أمنعه من شيء، بل لم أكن أتدخل في حياته!! لأن التربية الحديثة تقرر ذلك .. وإن شئت فقل إنني لم أكن أستطع أن أمنعه من شيء!! سواء كان محرمًا .. أو فاحشة .. أو غير ذلك!! لأنه يستطيع أن يتسبب في سجني أو معاقبتي لو أخبر الشرطة بذلك .. لن أطيل عليك: ولدي منذ فترة طويلة لا يصلي .. ولا يصوم .. بل هو غير مقتنع بالدين أصلًا .. كل الأديان يعتبرها ظلمًا للعباد!! .. وفي الفترة الأخيرة بدأ يتضايق كثيرًا .. ويعتزل في غرفته، ولا يخالطنا، بل صار في كل صباح يحلق رأسه بالموسى .. وله تقليعات غريبة! ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت