الصفحة 202 من 244

ومن مواطن اتصال فاعل كفى بالباء وتركه قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (51) سورة العنكبوت.

ومعنى الإلصاق أن يكون ماقبلهامن حدثٍ لاصقًا بما بعدها حقيقةً أومجازا؛ فالحقيقة كقولك: أمسكت باللص, والمجازمررت باللص.

قال ابن عاشور رحمه الله في التحريروالتنوير:[وفعل (كفى) في قوله: (وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا (مستعمل في تقوية اتّصاف فاعله بوصف يدلّ عليه التمييز المذكورُ بعده، أي أنّ فاعل(كفى) أجدر من يتّصف بذلك الوصف، ولأجل الدلالة على هذا غلَب في الكلام إدخال باء على فاعل فعل كفى، وهي باء زائدة لتوكيد الكفاية، بحيث يحصل إبهام يشوّق السامع إلى معرفة تفصيله، فيأتون باسم يُميّز نوع تلك النسبة ليتمكّن المعنى في ذهن السامع ... أقول: أي أنَّ التمييز الواردبعدكفى يكون معبرًا عن الصفة المرداة, فمثلا حين أريد أن أنوه بنصرة شخص أقول: كفى بك ناصرا.

وكلام ابن عاشور هنا رحمه الله ينطبق على جمع المواضع التي وردت فيها كفى.

أقول: فالفعل كفى إذااتصل فاعله بالباء فهو يساق للدلالة على أنَّ فاعله بلغ الغاية بلاتصاف بمايذكر بعده؛ فمثلا قوله تعالى: {وكفى بالله حسيبا} أي أنَّ منتهى مايبلغه الإنسان من حفظ ورعاية أن يتولى الله منه هذا أي أن يحيطه بالرعاية والكلاءة.

* {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} (8) سورة البقرة

وذكر الزركشي ـ رحمه الله ـ في البرهان أنها لتأكيد المبالغة: مبالغة في تكذيبهم ولذلك أجيبوابالباء, وأضاف: [وكلامهم في هذا كما قيل خلي من المعنى ولكن مفرقع] أي له صوت ودوي ولكنها دعوى فارغة من الحق. لأنَّ المعنى الذي أكدته الباء هوا لمبالغة في تكذيب دعواهم.

وقال أبو السعود: [وما حجازية فإن جواز دخول الباء في خبرها لتأكيد النفي اتفاقي بخلاف التميمية] فهي أكدت انتفاء دعواهم للإيمان؛ كما أنَّ أبا السعود أبرز المعنى المؤكد من دخول الباء في قوله تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (28) سورة المائدة: ولم يجعل جواب القسم الساد مسد جواب الشرط جملة فعلية موافقة لما في الشرط بل اسمية مصدرة بما الحجازيه المفيدة لتأكيد النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفي البسط كما في قوله تعالى {وما هم بمؤمنين} وقوله {وما هم بخارجين منها} فأبوحيان جعل دخول الباء هو السبب المؤكد للمبالغة في إظهار البراء ة. وقوله [اتفاقي] حكاية للإجماع على أنَّ الباء الداخلة على خبرما ترد للتأكيد ولم توضع للزيادة فحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت