فهرس الكتاب
بمثاله- وفي الأمثال العامة: «من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل» . فاحتذ بأمثلة من جرب، واستمع إلى ما خَلَّد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم، وزبدة تجاربهم. ولا تتكل على عقلك، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم، وأبتاعوه غاليا بتجاربهم، يربحك، ويقع عليك رخيصا وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة، فاستفد منه، ولا تضَيَّع قوله ولا فعله، فإن فيما تلقاه تلقيحًا لعقلك، وحثا لك واهتداء.
وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه، حتى تتدبره فإن كان موافقًا لعقلك، مصلحًا لحالك، فراعِ ذلك عندك، وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يُتَبسم، ولا كل شخص يُكلم، ولا الجود مما يُعم به، ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد ولله در القائل:
ومالي لا أفي البرية قسطها ... على قدر ما يعطى وعقلي ميزان
وإياك أن تُعطي من نفسك إلا بقدر. فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع، ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة، بغائبة آجله، ولا تجف الناس بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل، ولا ضجر، ولا جفاء. فمتى فارقت أحد، فعلى حسنى في القول والفعل. فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه؟! فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر: