:قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) (فاطر:28) .. فكل علم تورث الخشية، فإذا انضاف الله السعة والغزارة، ارتقى به الايمان، ورسخ اليقين، وتعززت معاني الخشية والخوف من الواحد الأحد كما قال عز وجل ..
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن:46) .
فلا يبدي أو ينمي الا خيرا، ويحذر من توريط نفسه في فتوى جاهلة، أو توقيع رخيص، أو ممالأة مفضوحة، بل يصون نفسه، ويحفظ علمه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ) (الطلاق: 2)
لأن زيادة العلم نور في القلب، تورث الخشية والمهابة من الله تعالى:
قال عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الاسراء: 107 - 109) .
وهكذا العلم الرباني، يفيض في النفس أنوار الروحانية والزهد والرغبة فيما عند الله، فتؤثر الحق على الهوى، وتطلب الآخرة على الأولى وتؤثر الهدى على الضلال، ولا يمكن له أن يتكلم بالباطل، أو يفتي بالجهالة .. حتى ولو قدموا له الأموال والاغراءات.
كما قال سليمان عليه السلام، لما وصلته هدايا بلقيس (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (النمل: 36) .
لولا المراقبة الداخلية، المصبوغة بعنفوان الإيمان، لما حصل هذا السخط من الفتنة الدنيوية وآثر العبد الصالح ما عند الله تعالى:
(إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص: 46) .