فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 6

ومن حِكم الحج، التي ينبغي أن تكون ماثلة في القلوب، فاعلة في الحياة، بعد الحج، أنه يعطي صورة رائعة للوحدة التي يجب على المسلمين أن يسعوا إلى تحقيقها، فها قد تجمعوا من كل فج عميق، أبيضهم وأسودهم، شرقيّهم وغربيّهم، عربيّهم وعجميّهم، غنيّهم وفقيرهم، لا تجمع بينهم سوى رابطة الدين وحب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، يرتدون لباسًا واحدًا، ويهتفون هتافًا واحدًا، ويرجون ربًا واحدًا. قد ضحوا بأنفسهم فعرّضوها لمخاطر الأسفار، وضحوا بأموالهم فأنفقوها راضية بها نفوسُهم، وضحوا بأوقاتهم، فاقتطعوا منها أيامًا وربما شهورًا، وضحوا بقربهم من أهلهم وديارهم وأسواقهم، فتركوها في سبيل الله، وضحوا بجمالياتهم التي كانوا يحرصون عليها، فتجردوا من كل زينة؛ ليبقوا"أيامًا معدودات"بلباس الإحرام المتواضع، الذي لا مباهاة فيه بين رجل وآخر، ولا مدعاة فيه لعُجب أو رياء أو خيلاء، وتلك تربية للنفس على بذل كل شيء؛ من أجل إرضاء خالقها تعالى ومحبته، ليس في الحج وحده، بل في سائر أيام العمر. والتضحية هي الدرس البليغ في هذا الجانب، فعبادة دون تضحية لا يمكن أن تكون. ففي الحج مثلًا، إن كان من تسهيل وتيسير فلا بد من مشقة، بها يعظُم أجر الحاجّ، فالسفر قطعة من العذاب، تختل فيه جميع الممارسات اليومية التي كان الحاج يمارسها في دياره، فالمركب والمرقد والمأكل والمشرب والمجالس، كل ذلك قد تغير، وغالبًا هو مِن غير الذي تعوده هذا الحاج، والبعد عن الأهل والخلّان، والبلد والمصالح الدنيوية، فلا بد إذن، من الصبر والتحمّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت