وهنا يحسن بالحاج أن يتعلم هذا الدرس جيدًا، فكم نحن في حاجة إليه؟، فالدنيا مجبولة على النقص، ضحك وبكاء، وتجمع وشتات، وشدة ورخاء، وسرّاء وضرّاء، دار غرور لمن اغتر بها، وهي عبرة لمن اعتبر بها، ولكن إذا استحكمت الأزمات، وترادفت الضوائق، فلا مخرج إلا بالإيمان بالله والتوكل عليه وحسن الصبر، ذلك النور العاصم من التخبط، والدرع الواقية من اليأس والقنوط «إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» (يوسف:87) .
فمَن مِن البشر من لم يذق طعم الألم؟ ومن منهم مَن سلم مِن ابتلاء أو غم؟ ومن منهم من اكتملت له حياته وتحققت كل أمانيه؟ ولذلك يحتاج المسلم إلى زاد وفير من الصبر والاحتساب، وهو يكابد هذه الحياة، وقد علّمنا الله هذا الخلق في نحو تسعين موضعًا في كتابه الكريم، منها ما يبشر الصابرين بالأجر على ما عملوا «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل:96) . إنه أجر غير محدود العد والحساب، كمثل أجر عدد من الطاعات الأخرى، بل «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» (الزمر:10) . وفي الحديث الصحيح: (( ما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر ) ).
فالمؤمن الواثق لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان، إن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد، أما الإنسان الجزوع فإن له من سوء الطبع ما ينفّره من الصبر، ويجعله فاشلًا في كل امتحانات الابتلاءات التي تَعرض له.
إن أداء الحج يترك أثرًا عظيمًا في نفس المؤمن، فهو يعلّم المسلم النظام والصبر والتواضع والتسامح وحسن المعاشرة وطيب الملاطفة ومراقبة الله عز وجل. فما أروعها من دورة تدريبية تربوية وثقافية، تتولى فيها التدريب على قوة الإخلاص والخير والصفاء الكامنة في القلوب والضمائر..