فهرس الكتاب
أما ما لم يَرِدِ التنصيصُ عليهِ مِنَ العُقوباتِ البدنيةِ للإتسانِ فمنهُ ما أعطَتِ الشريعَةُ للحاكِمِ فيهِ ما تقتَضيهِ المصلَحَةُ مِنَ التعزيرِ، لكنه مشروط بأن لا يَكونَ علامَةَ ثابتةً في المُعزرِ، فليسَ فيهِ قَطعُ عُضْو ولا شَقهُ ولا كَيهُ بنارٍ ولا ما أشبَهَ ذلكَ مِما يتركُ أثرا يكون سَبَبا لإشارَةِ الناسِ إليهِ بهِ وتعييرِهِ لأجلِهِ بخَطيئتِهِ.
وَمِن هذا حَلقُ الشَعر، كَشَعرِ الرأسِ أوِ اللحية أو الشارِبِ أو الحاجِبَينِ، فإن ذلكَ إذا فُعِلَ على وجه الإهانَةِ والتحقير للمَحلوقِ كانَ عُقوبَة، وهُوَ مُثلَةْ، لأنه عُقوبَة لم يأذَن بها الشرعُ، لا مِن جِهَةِ أن الحَلقَ في نَفْسِهِ ممنوعْ، فإن حَلقَ الرأس مُباح أصالَة، وهوَ مطلوب في النسُكِ، وإنما المنعُ مِن جِهَةِ العُقوبة بذلكَ، ففيهِ اعتِداة على جُزْء مِنَ بَدَنِ الآخَرِ لم تأذن بهِ الشريعَةُ.
وَيشبَهُ أن يكونَ مِن هذا ما حَدثَ به قَيس بنُ أبي حازِم، قالَ:
استَعمَلَ عُمَرُ (يعني ابنَ الخطاب) - رَضِيَ اللهُ عَتهُ- رَجُلا مِنَ الأنْصارِ، فنَزَلَ بعَظيمِ أهل الحِيرةِ عند ِالمسيحِ بنِ بقَيلَةَ، فأمالَ عليهِ بالطعامِ والشرابِ ما دَعا بهِ، فاحتُبِسَ عليهِ بالهَزلِ، فدَعا الرجل فمَسَحَ بلحيتِهِ، فرَكِبَ إلى عُمَرَ، رَضيَ اللهُ عتة، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، قَد خَدَمتُ كِسرى وقَيصَرَ فما أتى إلي في مُلكِ أحَد مِنْهُم ما أتى إلي في مُلكِكَ، قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: نَزَلَ بي عامِلُكَ فُلانْ فأمَلْنا عليهِ بالطعامِ والشرابِ ما دَعا بهِ، فاحتُبِسَ بالهَزلِ، فَدعاني فمسحَ بلحيتي، فأرْسَلَ إليهِ عُمَرُ، رَضِيَ الله عتهُ، فقالَ: هيه! أمالَ عليكَ بالطعامِ والشرابِ ما دَعَوتَ بهِ، ثم مَسَحتَ بِلحيتِهِ؟ واللهِ لولا أن تكونَ سُنة ما تركتُ في لحيتِكَ طاقَةً إلا نَتَفتُها، ولكنِ اذهَب فواللهِ لا تَلي لي عَمَلَا أبَدا.