إننا لسنا بحاجة في هذا المقام للرد على هؤلاء المغرضين بأن الآية التي نَعَتوها بالدمج المتأخر قد جاءت مترابطة بدرجة كبيرة، وعلى أسس بلاغية فائقة مع الآيات السابقة لها والتي تأتي بعدها، وهو ما بينه المفسرون أثناء حديثهم عن تناسب مطلع سورة الإسراء لما بعدها [1] والحديث عن صنعة الالتفات الحاصلة بين الآية الأولى (صيغة الغيبة) والآيات التي بعدها (صيغة الحضور) مما استغربه كلود جيليو في بحثه الآنف الذكر.
ويكفي للرد على افتراضاتهم أنه إذا كانت تلك الآيات لم تنْزل في الوقت الذي أنزلت فيه بقية السورة، فما هو إلا دليل صريح على أن ما جاء في المصحف من ترتيب للآيات على غير الترتيب التنْزيلي إنما هو من عند الله الحكيم الخبير، وكفى.
إنه مما لا شك فيه أن طريقة المستشرقين في ترتيب الآيات ترتيبًا زمنيًا تنمُّ عن تعسف في إطلاق الأحكام واتباع الهوى وحب الافتراض والتخمين، وفي ذلك تجاهل لقيمة الرواية الصحيحة التي تعدُّ الطريقة الوحيدة في ترتيب القرآن ترتيبًا دقيقًا وحكيمًا [2] .
والجدير بالإشارة أن بعض المستشرقين المعاصرين قد وصلوا إلى نتيجة مفادها استحالة هذا الترتيب وعدم تحقيقه لنتيجة مرضية؛ ولهذا اقتنع نولدكه في آخر حياته بهذا الأمر حين سئل مرة إن كان يشعر بالندم، لأنه لم يمض تلك العقود من السنين في دراسة تعود بالفائدة على الجنس البشري كالطب والكيمياء أو أي فرع آخر غير الدين واللغات والفلسفة؟ فأجاب بقوله: (( إذا
(1) انظر على سبيل المثال ما أورده الرازي في تفسيره 20/ 154 (طبعة دار الفكر 1981) من حديث عن بلاغة الالتفات الحاصلة بين الآية الأولى وبقية الآيات.
(2) استعرض د صبحي الصالح في كتاب (( مباحث في علوم القرآن ) )الطبعة الثامنة 1974 (176 - 178) أبرز محاولات المستشرقين في ترتيب القرآن على حسب النزول.