فهرس الكتاب
الذي يظهر لي أن الترمذي تأخر في طلب العلم ، وليس كالبخاري أو مسلم أو كأبي داود ، الذي ظهر لنا من الكلام عنهم أنهم طلبوا العلم منذ الصغر ، والسبب الذي يدعونا إلى القول بأن الترمذي تأخر في الطلب أننا نجد أكابر شيوخه وأقدم شيوخه وفاة هم الذين توفوا في حدود سنة خمس وثلاثين ومائتين ، ولا نجد أحدهم توفي قبل ذلك ، فدلّ على أنه إنما تلقى في حال الكبر ، يعني بعد أن جاوز العشرين ، وربما وصل إلى السنة الخامسة والعشرين من عمره ، ولهذا السبب نجد إسناده ـ رحمه الله ـ يُعتبر من الأسانيد النازلة ، أي أن الواسطة التي تكون بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغالب أنها تكون طويلة بما يناسب عصره ، أي أننا لا نجد عنده شيئًا من الأحاديث الثلاثية ، وربما كانت الرباعية قليلة جدًا في كتابه ، وهذا يعود لهذا السبب الذي ذكرته وهو تأخره في الطلب .
ويعود أيضًا إلى عدم رحلته إلى بعض البلدان ، فإنه ـ رحمه الله ـ فيما يظهر أنه لم يدخل الشام ولم يدخل مصر في رحلته العلمية ، ولم يدخل بغداد في وقت مبكر لأنه كان بإمكانه السماع من الإمام أحمد ،ولكنه لم يسمع منه قطعًا ، والإمام أحمد كانت وفاته في سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ويكون عمر الترمذي آنذاك في حدود الثانية والثلاثين ، فمثل هذه السِّن كان يؤهله لأن يسمع من مثل الإمام أحمد ، ولكنه لم يسمع منه ، والسبب أنه ما دخل بغداد في تلك الأثناء ، وربما أنه لم يدخلها مطلقًا لأننا لا نجد الخطيب البغدادي ذكره في تاريخ بغداد وهو يذكر كل مَن قدم بغداد .