فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 200

وكان حافظًا يضرب المثل بحفظه ،ولعلّ من الدلائل التي تشير إلى هذا أنه ـ رحمه الله ـ كان في رحلة إلى مكة وكان في طريقه إلى مكة ، وكان معه جزءان حديثيان لأحد الشيوخ ، ولكنه لم يسمع هذين الجزءين من ذلك الشيخ ، وإنما جزءان يتداولان بين طلاب الحديث ، فحينما كان في الطريق مرّ عليهم ذلك الشيخ ـ صاحب الجزءين ـ فأراد الترمذي أن يسمع هذين الجزءين من هذا الشيخ ، فذهب إليه وأخذ الجزءين معه ، وطلب منه أن يسمعهما عليه فوافق ذلك الشيخ ، فحينما فتح الترمذي الجزءين وجد أنهما بياض ، أخطأ فأخذ جزءين عبارة عن ورق بياض لم يكتب فيهما شيء ظنًا منه أنهما الجزءات اللذان فيهما حديث ذلك الشيخ ، ففتح الترمذي الجزءين .

وأخذ الشيخ يُحدث الترمذي من حفظه ـ الشيخ حافظ لأحاديثه ، ثم ألقى نظرة على الترمذي وإذا بالجزءين بياض . فقال له: أما تستحي مني ؟! ثم استفسر الشيخ عن السبب ، فأخبره بأنه يحفظ هذه الأحاديث حفظها . فقال: هات ـ اعرض ، فأخذ الترمذي يُحدثه بتلك الأحاديث التي حدّث بها الشيخ من غير أن يخطئ شيئًا .

فقال: إنك استظهرت ذلك قبل أن تأتيني ـ يعني كنت حافظًا ومعدًا نفسك .. قال: لا ، ألفي عليّ ما تريد ، فألقى عليه ذلك الشيخ أربعين حديثًا من غرائب حديثه مما يظن أن الترمذي لم يسمعها من قبل . فأعادها عليه الترمذي حديثًا حديثًا على التوالي من غير أن يخطئ حرفًا .

فقال له ذلك الشيخ: ماظنت أن أحدًا مثلك ـ أو نحوًا من هذه العبارة ـ إعجابًا منه بحفظ الترمذي (1) ـ رحمه الله ـ

عبادته ـ رحمه الله تعالى:ـ

ومع حرصه على الطلب والتلقي فإن الترمذي ـ رحمه الله ـ صاحب هذه الصفة من صفاته صفاتٌ حسنة أخر ، كجانب العبادة السلوك عمومًا ، فنجده رحمه الله ـ ممن وصف بالورع والزهد والعبادة .

(1) انظر: سير أعلام البلاء (13/273) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت