ومن هذا نري أن أصل الاستشراق استعمار وعليه فإن أول مولود شرعي للاستعمار هو الاستشراق، لذا فمن الغريب حقًا أن رحيل الأب (الاستعمار) ، لم يصاحبه رحيل الابن (الاستشراق) الذي ظل ينمو ويترعرع ويقوى عوده تحت مسمى الدراسات الأكاديمية من أجل رفاهية الشعوب المستعمرة وتطورها ورقيها، فيجد القبول والرضا، من فريق من المسلمين صرفهم الإعجاب بنشاط المستشرقين العلمي في بلادهم عن حقيقة الاستشراق وأهميته، فيتناول من أمور المسلمين ما لا يتناولونه هم أنفسهم، وينشر من تراثهم ما كان ينبغي أن يقوموا هم بنشره وتحقيقه، ومن ثم يكبر فيهم جلدهم وصبرهم ودقتهم في البحث، فيروح يتتلمذ عليهم، فينقل عنهم ويأخذ عنهم مفاهيم دينه. [1]
ويتحقق بهذا هدفًا رئيسًا للاستشراق وهو صرف المسلمين عن دينهم كما يقول زويمر: (لا ينبغي أن يغضب المبشرون حين يرون نتيجة جهودهم ضعيفة. إن مهمتنا الأولى ليست هي تنصير المسلمين .. وإنما هي صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وفي هذا نجحنا نجاحًا باهرا بكل تأكيد .. ) . [2]
ومبلغ النجاح هو ما لخّصه الشيخ محمد قطب بقوله: (إن حركة الاستشراق أخطر بكثير مما تبدو"للطيبين"الذين يرون ألا خطر منها على نفوس المسلمين، ما دام أن أحدًا لم يهمد أو ينتصب حين يقرأ ما يكتبه المستشرقون) . [3] والحقيقة الجلية التي لا تخطئها العين هي أن تحامل المستشرقين على الإسلام غريزة موروثة، وخاصة طبيعية على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية، بكل ما لها من ذيول في عقول الأوربيين. [4]
(1) -م حمد قطب. مرجع سابق، ص 7
(2) - المرجع نفسه، ص 10
(3) - نفسة، نفس الصفحة.
(4) - الإسلام على مفترق الطرق. ترجمة الدكتور عمر فروخ، ط 1،ص 58 - نقلا عن. محمد قطب. الإسلام والمستشرقون، ص 10