محمد صالح المنجد
أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد ..
فإن أبرز معالم هذا الدين الحنيف وأظهر عنوان عليه أنه دين التوحيد، بعث الله محمد -صلى الله عليه وسلم- بالإسلام، الذي هو دين جميع الرسل، الإسلام العام التوحيد، كما بعثه بهذا الإسلام الخاص وهذه الشريعة الخالدة، وأنزل عليه هذا الكتاب الذي نسخ سائر الكتب، أرسله الله رحمة للعالمين، لمّا فشا الشرك في العالم، وانتَكَسَتْ قريشُ والعرب كلها، ووقعت في ظلمات الشرك والضلال، حتى صارت الكعبةُ التي بناها الخليل على التوحيد، مَجْمَعًا لأصنام أهل الجاهلية، حتى بلغت الأصنام نحو من ثلاثَمائةٍ وستين صنما، تحيط بالكعبة، فلا يطوف أحد ببيت الله الحرام، إلا وكانت في مَطافه.
وكلما ازداد الناس بعدًا عن الوحي، ازدادوا بعدًا عن التوحيد وإغراقًا في الشرك، وهذا الحال التي كان عليها العرب مع أنهم أبناء إسماعيل عليه السلام ابن الحنيف المسلم، لقد عمّت الجاهلية الأرض، وأطبق ظلام الشرك في جنباتها، ولم يبقى فيها من نور الوحي والرسالة إلا بصيص خافت، لا يبصره إلا الفرد بعد الفرد من أفذاذ الناس.
فروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ عِيَاضِ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:
(( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا؛ كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ. وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) ).