النقل ممن سبقه كابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما وهو يمتاز بملكة التحري والتدقيق لسعة علمه بالحديث والرجال كما أنه يذكر الأراء الفقهية ومناقشتها باختصار , ويفصل فيما لابد منه. وقال صاحب كتاب التفسير والمفسرون: هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور وقد شهد له بعض العلماء فقال السيوطي في ذيل (تذكرة الحفاظ) والزرقاني في (شرح المواهب) : إنه لم يؤلف على نمطه مثله. أهـ [1]
وقد ذكر ابن كثير في مقدمة تفسيره أحسن طرق التفسير والتزم بها وسار على نهجها, فقال: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ (فالجواب) أن أصح الطريق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أُجْمِل في مكان فإنه قد بُسِط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105] وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل:64] وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ألا إنِّي أوتيت القرآنَ ومثله معه" [2] يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليهم بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلي القرآن وقد استدل الامام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه, فإن لم تجده فمن السُّنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن"فبم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" [3] وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم
(1) - التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي (1/ 176)
(2) - رواه أحمد (17213) بسند صحيح عن المفدام بن معدي كرب رضي الله عنه. وقد تقدم.
(3) - رواه أحمد (22060) وأبو داود (3592) والترمذي (1327) وفي سنده جهالة.