الصفحة 130 من 439

يودعون هذا العلم الباطن لكبار الدعاة بقدر مخصوص، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ فقالوا: إن التأويل الباطن من عند الله، خص به علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فكما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خص بالتنزيل، فكذلك علي - رضي الله عنه - قد خص بالتأويل، واستدلوا على ذلك بقصة نبي الله موسى - عليه السلام - مع الخضر العبد الصالح المذكورة في سورة الكهف، وكيف أن موسى - عليه السلام - وهو نبي مرسل من أولي العزم، لم يمنحه الله علم الباطن، بينما منح هذا العلم إلى الرجل الصالح [1] ، وهو ليس بنبي مرسل. وهكذا كان التأويل الباطن إلى علي - كرم الله وجهه -، وقد أورثه الأئمة من ذريته بأمر من الله، وعلى ذلك فالأئمة هم الذين يدلون الناس على أسرار الدين، وليس لأحد غيرهم هذا الحق الذي جاءهم بأمر من الله تعالى، ولكن ليس لهم أن يطلعوا أحدًا على أسرار هذا الدين إلا لمن يستحق ذلك فقط.

وبالرغم من قولهم: إن التاويل من عند الله، نراهم مرة أخرى يقولون: إن التأويل من خصائص حجة الإمام أو داعي دعاته، ومع ذلك نجد تأويلاتهم تختلف باختلاف شخصية الداعي الذي إليه التأويل. وباختلاف موطنه، وزمن وجوده.

فإذا قرأنا تأويلات (الداعي ابن منصور اليمن) قبل ظهور الدولة الفاطمية بالمغرب، نجد أنها تميل إلى الغلو، ولا تختلف في مضمونها عن تاويلات الفرق الغالية المندثرة، وتأويلات دعاة فارس تختلف عن تأويلات الدعاة الذين كانوا بالقرب من الأئمة بالمغرب، ففيها التأليه الصريح للأئمة، وفيها طرح الفرائض الدينية، فتأويل الصلاة عندهم هو: الإتجاه القلبي للإمام.

وتأويل الصوم هو: عدم إفشاء أسرار الدعوة، وتأويل الحج هو: زيارة الإمام. وهكذا ينتهي بهم التأويل في فارس إلى طرح كل أركان الدين. بخلاف ما كان عليه الأمر في المغرب إذ لم يصرحوا بهذه الآراء إلا في كتبهم السرية.

فمثلا: قال الداعي بالمغرب في تأويل قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر:1 - 3] إن الفجر هو: على بن أبي طالب، وكل

(1) - ذهب جمهور العلماء إلى نبوة الخضر عليه السلام لأدلة كثيرة فلتراجع في كتب التفسير, وأظهرها قوله لموسى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:82] مما يؤكد أنه فعل ما فعل بأمرٍ من الله تعالى, وبوحي منه سبحانه مما يدل على نبوته. وفي حديث موسى والخضرعليهما السلام قال الخضر لموسى:"يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ"رواه البخاري (122) ومسلم (2380) والترمذي (3149) وغيرهم. وانظر تفسير الشوكاني (3/ 304) وابن كثير (3/ 102) ومعالم التنزيل للبغوي (5/ 197) وزاد المسير لابن الجوزي (5/ 128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت