الصفحة 131 من 439

إمام بعده. وأن الشفع والوتر هما: الحسن والحسين. ولكن الداعي في مصر في عصر الدولة العبيدية (الفاطمية) أوَّلَ هذه الآية بأن الفجر هو: المهدي المنتظر، أي: قائم الأئمة وخاتمهم، لأنه يظهر بعد انتشار الضلال، كما أن الفجر يأتي بعد شدة الظلام.

وبعد انتقال الدعوة من مصر إلى اليمن وأصبحت تعرف بالدعوة الإسماعيلية الطيبية، عادت التأويلات الباطنية مرة أخرى إلى الغلو، مع أن دعاة اليمن أخذوا أكثر تأويلاتهم عن دعاة مصر. وبسبب دخول الأئمة دور الستر، وعدم وجود دولة للطائفة، عاد الإسماعيلية إلى التقيّة والسرية، بحيث لا يسمح إلا لكبار الدعاة فقط بمعرفة أسرار التأويل. وظل الأمر على ذلك إلى الآن عند طائفة البهرة بفرعيها الداودي والسليماني [1] .

كما أوَّلوا قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:106] بقولهم: لا خلاف بين أهل التأويل [2] أن الآية مََثل الإمام، ويعني بقوله: (ما ننسخ من آية) : أي: نؤخر من شخص قد وسم بوسم يوهم فيه الإمامة، ويعني بقوله: (أو ننسها) أي: ننقل من إمام حقيقي إلى دار الكرامة، فإن النسخ هو إبطال حكم متقدم بإثبات حكم متأخر، وهو مثال تصور الشخص المتوهمة إمامته، والنسيان هو: انتقال الشيئ من مقر الحفظ، وهو مثل انتقال الإمام إلى دار الكرامة. وقوله: (نأت بخير منها) أي: نأت بإمام الحق، وهو خير من الشخص المتوهمة إمامته، ... ومما يؤيد هذا قول الله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة:61] ، فإنه أشار عند جميع أهل التأويل بقوله (خير) إلى الوصي، أو إلى الإمام الحق، وبـ (الذي هو أدنى) إلى الشخص الذي يتوهم أنه إمام وليس بإمام. ويريد بقوله تعالى: (أو مثلها) أي: يخلف إمام حق بإمام حق مثله، من عنصره وأصله، فإن الأئمة في معنى الإمامة متماثلون، وفي حقيقة التأييد والعصمة متشاكلون. وجعل بإزاء نسخ الآية: الإتيان بما هو خير

(1) - انظر: د. محمد كامل حسين/ طائفة الإسماعيلية، ص 162 - 165، باختصار. والحبيب الفقي/ التأويل أسسه ومعانيه في المذهب الإسماعيلي، ص 9 - 53. والداعي الإسماعيلي جعفر بن منصور اليمن / كتاب الكشف، ص 66. والداعي إدريس عماد الدين القرشي/ زهر المعاني، ص 299.

(2) - أنظر كيف يدلس على القاريء ويزعم أن أهل التأويل متفقون على ما يقول هذا الباطني, وهذا دأبهم , ولم يقل أحدٌ بذلك سوى هؤلاء الباطنية. فالآية عند المفسرين فيها رد على الذين يطعنون على النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته, كاليهود وغيرهم, ويقولون: ما بال هذا النبي يأمر قومه بأمر ثم يبدله بعد ذلك؟ فردّ الله تعالى عليهم بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} أي ما نغير حكم آية من القرآن و نؤخرها إلا أتينا بما هو خير منها. وذلك لمصلحة الناس وإظهار الدِّين. وكل هذا من الله. القادر على كل شيء والذي له ملك السماوات والارض، يتصرف فيه كيف يشاء، وحسب مصلحة عباده. أنظر تفسير الطبري (2/ 471) والبغوي (1/ 133 - 134) وابن كثير (1/ 149) والشوكاني (1/ 126) وتفسير القطان (1/ 55) والسعدي ص:58

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت