الصفحة 137 من 439

أولًا: موقفهم من الأئمة وأثر ذلك في تفسيرهم:

وإذا استعرضنا هذه المعتقدات وجدنا أن أهمها يدور حول أئمتهم، فهم يلقون على الأئمة نوعًا من التقديس والتعظيم، ويرون أن الأئمة هم أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحُجَّة الله البالغة على مَن فوق الأرض ومَن تحت الثرى ويرون أنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين.

ولما كان الإمام عندهم فوق أن يُحكم عليه، وفوق الناس في طينته وتصرفاته، فإنّا نراهم يعتقدون بأن له صلة روحية بالله تعالى كتلك الصلة التى للأنبياء والرسل، وأنه مُشَرِّع ومُنَفِّذ، وأنَّ الله قد فوَّض النبى والإمام في الدين، ويروون عن الصادق أنه قال:"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ فَقَالَ:: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ثُمَّ قَالَ: وَ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ فَوَّضَ إِلَى عَلِيٍّ وَ ائْتَمَنَهُ, فَسَلَّمْتُمْ وَ جَحَدَ النَّاسُ, فَوَ اللَّهِ لَنُحِبُّكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِذَا قُلْنَا وَ أَنْ تَصْمُتُوا إِذَا صَمَتْنَا وَ نَحْنُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ, مَا جَعَلَ اللَّهُ لِأَحَدٍ خَيْرًا فِي خِلَافِ أَمْرِنَا" [1] .

وحيث أن الله تعالى خلق النبى وكل إمام بعده على أحسن أدب وأرشد عقل، فلا يختار النبى ولا الإمام إلا ما فيه صلاح وثواب، ولا يخطر بقلب النبى ولا بقلب الإمام ما يخالف مشيئة الله وما يناقض مصلحة الأمة. فيفوِّض الله تعيين بعض الأمور إلى رأى النبى ورأى الإمام مثل الزيادة في الفرض ومثل تعيين النوافل من الصلاة والصيام، وذلك إظهارًا لكرامة النبى والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحى، ثم لم يكن الاختيار إلا بالإلهام، وله في الشرع شواهد: حرَّم الله الخمر، وحرَّم النبى كل مسكر فأجازه الله، وفرض الله الفرائض ولم يذكر الجد، فجعل النبى للجد السدس، وكان النبى يُبشِر ويُعطِى الجنة على الله , ويُجيزه الله.

وأيضًا فوَّض الله إلى النبى صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده أمور الخلق، وأمور الإدارة والسياسة من التأديب والتكميل والتعليم، وواجب على الناس طاعتهم في كل ذلك، قالوا: وهذا حق ثابت دلّت الأخبار عليه.

وأيضًا فوَّضهم الله تعالى في البيان، بيان الأحكام والإفتاء وتفسير آيات القرآن وتأويلها، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا، ولهم فوق ذلك البيان

(1) - الكافي (1/ 265)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت