فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ فقال: وأي الاختلاف؟. فقال: إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم .. فقال: أبو عبد الله أجل هو كما ذكرت أن الناس أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث، فلا يخرج من عندي، حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكلٌ يحب أن يدعى رأسًا" [1] ."
واعلم أن تفسير القرآن لا يمكن أن يكون علمًا سريًا لا يتحمله إلا خاصة الناس، وإلا كيف يحاسب الله الناس على شيءٍ لا يعلمونه, والله سبحانه أنزل كتابه لعباده كافة لا لفئة معينة، ويسّره للناس, قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} {القمر:17} وحثّ الجميع على تدبر آياته فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} {ص:29} وذم المعرضين عن فهمه والتدبر في آياته فقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} {محمد:24} .
ولا يخفى أن هذه التأويلات الباطنية هي من باب الإلحاد في كتاب الله تعالى وآياته وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: 40.] . قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام في غير موضعه وذلك بالانحراف في تأويله [2] .
* أثر التفسير الباطنى في تلاعبهم بنصوص القرآن:
ولقد كان من نتائج هذا التفسير الباطنى للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربًا بالغًا ومجالًا رحبًا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة، فأخذوا يتصرَّفون في القرآن كما يحبون، وعلى أى وجه يشتهون بعد ما ظنوا أنّ العامة منهم قد انخدعت بأوهامهم وسلَّموا بأفكارهم ومبادئهم.
فقالوا - مثلًا: إنّ من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعانى الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث في المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يُفرِّعون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه في أعينهم داعي العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ} [الانشقاق: 19] ، إنه إشارة إلى أنّ هذه الأُمَّة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء. [3]
كذلك مكَّن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إنَّ اللفظ الذى يُراد به العموم ظاهرًا كثيرًا ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلًا لفظ:"الكافرين"الذى يراد به العموم، يقولون: هو في الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علىّ.
كما مكَّنهم أيضًا من أن يصرفوا الخطاب الذى هو مُوجَّه في الظاهر إلى الأمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب في نظرهم من هذه الأمة بحسب الباطن، فمثلًا قوله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] يقولون فيه: قوم موسى في الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكنَّهم أيضًا من أن يتركوا أحيانًا المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74 - 75] ، فالظاهر غير مراد عندهم، ويقولون: عنى بذلك غير النبى، لأن مثل هذا لا يليق أن يكون موجهًا للنبى عليه الصلاة والسلام، وإنما هو مَعنىٌّ به مَن قد مضى، أو هو من باب:"إياكِ أعنى واسمعى ياجارة". [4]
كذلك مكَّنهم هذا المبدأ من إرجاع الضمير إلى ما لم يسبق له ذكر، كما في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَاذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] ، حيث يفسرون:"أو بدله"بمعنى أو بدِّل عليًا [5] . ومعلوم أنّ عليًا لم يسبق له ذكر، ولم يكن الكلام مسوقًا في شأن خلافته وولايته.
ومما ساغ لهم أن يقولوه بعد تقريرهم لمبدأ القول بالباطن: إنَ تأويل الآيات القرآنية لا يجرى على أهل زمان واحد، بل عندهم أنّ كل فقرة من فقرات القرآن لها تأويل يجرى في كل آن، وعلى أهل كل زمان، فمعانى القرآن على هذا متجددة. حسب تجدد الأزمنة وما يكون فيها من حوادث. بل وساغ لهم ما هو أكثر من ذلك فقالوا: إنّ الآية الواحدة لها تأويلات كثيرة مختلفة متناقضة، وقالوا: إنّ الآية الواحدة يجوز أن يكون أولها في شاء
(1) - رجال الكشي: ص: 135 - 136، بحار الأنوار: (2/ 246)
(2) - تفسير الطبري (24/ 123) ، فتح القدير (4/ 520)
(3) - أنظر مقدمة المحقق لتفسير القمي ص:19 نقلًا عن كتاب الاحتجاج, الصافي (5/ 306)
(4) - تفسير العياشي (1/ 10)
(5) - الكافي (1/ 419) , بحار الأنوار (23/ 210) , تفسير القمي (1/ 309) , تفسير نور الثقلين (2/ 296)