الصفحة 163 من 439

وفتح مكة وتبوك , قد بذلوا المُهَج والأموال في سبيل الله سبحانه وتعالى , وسارعوا وتنافسوا في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلبية أوامره , ثم بعد ذلك يخاف النبي صلى الله عليه وسلم منهم ألاّ يقبلوا أمره بخلافة عليّ رضي الله عنه! هل يُعقل هذا؟.

قال أهل العلم: إنما خص النبي أهل المدينة لسببين:

السبب الأول: قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحج كان في المدينة وكان قد أرسل خالد بن الوليد إلى اليمن في قتال , فانتصر خالد بن الوليد في جهاده وأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر, وأنّ عندنا غنائم فأرسل إلينا من يخَمِّس هذه الغنائم فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن ليخمس الغنائم ثم أمره أن يدركه في مكة في الحج , ذهب علي إلى اليمن و قُسم الغنائم ثم أخذ امرأة من السبي فدخل عليها - يعني جامعها - فغضب بعض الصحابة كبريدة بن الحصين لذلك , فذهب إلى النبي في المدينة صلوات الله وسلامه عليه وأخبره بما حدث من علي, مع العلم بأن عليًّا له نصيبٌ في الخمس لأنه من ذوي القربى ,ونصيبه أكثر من هذه الجارية التي أخذها, والحديث في صحيح البخاري (4093) عن بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ, وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا , وَقَدْ اغْتَسَلَ, فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا, فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ".وفي رواية أحمد (22995) قال صلى الله عليه وسلم لبريدة:"مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"."

السبب الثاني: عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن» ، قال أبو سعيد: فكنت ممن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا، فكنا قد رأينا في إبلنا خللًا، فأبى علينا، وقال: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين. قال: فلما فرغ عليّ وانطلق من اليمن راجعًا, أمَّر علينا إنسانًا, وأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم» ، قال أبو سعيد: وقد كنّا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٌّ منعنا إياه، فَفَعل، فلما جاء عرف في إبل الصدقة أن قد رُكبت، رأى أثر المركب، فذمَّ الذي أمَّره ولامه، فقلت أنا: إن شاء الله إن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنتُ حَلفتُ عليه، فلقيت أبا بكر خارجًا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف معي ورحَّب بي وسألني وسألته، وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: «ائذن له» ، فدخلت فحييتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءني وسلم عليَّ وسألني عن نفسي وعن أهلي فأحفى المسألة، فقلت له: يا رسول الله، ما لقينا من عليٍّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فانتبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه, حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، وكنت منه قريبًا ثم قال: «سعد بن مالك الشهيد , مَه، بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله» ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعدَ بن مالك، ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم، وما أدري، لا جَرَمَ, والله لا أذكره بسوء أبدًا سرًا ولا علانية" [1] "

مما سبق يتضح أن عليًا رضي الله عنه لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب تضييقه عليهم ومنعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحُلل التي أطلقها لهم نائبه, لذلك -والله أعلم- أراد النبي صلى الله عليه أن يبرأ ساحة علي رضي الله عنه ويبين عدالته وفضله وأمانته وأن الحق معه, فقام في الناس خطيبًا فَبَرَّأَ ساحته , ورفع من قدره, ونبه على فضله, ليزيل ما وقر في قلوب كثير من الناس وكان ذلك يوم الأحد بعدما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من حجته وتفرغ من مناسكه ,وهو في طريقه متجهًا إلى المدينة بغدير خُمّ. وذكر نحو هذا ابن كثير في البداية والنهاية [2] .

(1) - رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/ 495) . وقال ابن كثير: إسنادٌ جيد على شرط النسائي أخرجه البيهقي وغيره.

(2) - ابن كثير/البداية والنهاية (5/ 185)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت