الصفحة 178 من 439

الثانية: ليس في الآية ما يدل على أن الله جعل ابراهيم عليه السلام نبيًا ثم رسولًا ثم خليلًا ثم بعد ذلك إمامًا, وإنما كلُّ نبي إمامُ قومه يهديهم طريق ربهم. ولقد بالغ بعض الغلاة منهم بسبب هذا القول الذي ادعوه حتى رفع مقام الإمامة فوق النبوة.

الثالثة: ليس في الآية أي ذكرٍ ولا دليل على إمامة الأئمة الاثنى عشر- فضلًا عن عصمتهم- دون غيرهم حسب ما يذكرونه, ولا يخفى تهافت هذا الكلام الذي لا يساوي المداد الذي كُتب به. وقد بين الله تعالى أن عباد الرحمن يقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] و قال تعالى عن بني إسرائيل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24] .

الرابعة: بطلان ادعاء الشيعة الاثنى عشرية بأن الإمامة لا تجوز لمن كان ظالمًا ثم تاب , ولا من كان مشركًا ثم أسلم, وقصدهم بذلك إيطال إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم, لأنهم كانوا مشركين ثم أسلموا, وحجتهم أن الله تعالى قال في هذه الآية: (لا ينال عهدي الظالمين) , والشرك ظلم لقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} {لقمان:13} و لا يخفى أن المقصود من الآية خروج من يتلبس بالظلم حال إمامته, أو عند اختياره للإمامة, إذ لا يعقل إمامة الفاسق للمتقين, وهو مردود الشهادة. ومعلومٌ أنّ من كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغةٍ أوعرفٍ أوشرع, إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة، وفي غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضًا مطردًا بل حيث يكون متعارفًا, وإلا لجاز أن يقال: صبيٌّ لشيخ , ونائمٌ لمستيقظ، وجائعٌ لشبعان، وبالعكس، وأيضًا لو اطرد ذلك يلزم من حلف أنْ لا يُسَّلم على كافر فسَلَّم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرًا قبل ذلك بسنين متطاولة أن يحنث, ولا يقول بذلك أحد [1] . ومن المعروف أنه قد يكون التائب من الظلم أفضل ممن لم يقع فيه. ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يقتل ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله، وتاب بعد ذنوبه، فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام، فمن المعلوم أن السابقين الأولين من

(1) - أنظر تفسير (روح المعاني) للألوسي (1/ 377)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت