وبلغ من شدة حرصه على أنه كان لا يقبل شئًا من المكتوب إلا بعد أن يشهد عليه شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. يدل على ذلك ما رواه ابن أبي داود أن عمر بن الخطاب قَدِمَ فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأت به, وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعُسب, وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتى يشهد شهيدان", وما رواه أيضًا ابن أبي داود- في المصاحف- أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتاب الله فاكتباه"قال السخاوي: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .
أهم مزايا مصحف أبي بكر الصديق:
أولًا: التحري الدقيق التام والتثبت الكامل.
ثانيًا: لم يُسجل في المصحف إلاّ ما ثبت عدم نسخ تلاوته.
ثالثًا: إجماع الصحابة عليه, و تواتر ما سجل فيه من الآيات القرآنية.
رابعًا: شموله للقراءات التي نقلت بالنقل الثابت الصحيح. [2]
هذا وقد كان لبعض الصحابة مصاحف خاصة بهم كما سبق أن بينا, وروي أنه كان لعلي بن أبي طالب أيضًا مصحف خاص به كتبه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة , ولكن كلّ هذه المصاحف كانت تحتوي على الناسخ والمنسوخ, ولم يثبت لها التواتر ولا إجماع الصحابة كما هو الحال في المصحف الذي أمر بجمعه أبو بكر رضي الله عنه.
ولذلك أصبح جمع القرآن منقبة خالدة للصديق أبي بكر ومن أهم أعماله رضي الله عنه, وأيضًا لزيد بن ثابت. وقد روى غير واحد من الأئمة منهم وَكِيع وابن زيد وقبيصة عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين" [3] ."
(1) - التبيان في علوم القرآن ص:63
(2) - التبيان في علوم القرآن ص:64
(3) -إسناده صحيح. ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص 156) وابن أبي داود في المصاحف (ص 11) .