وقيل: بل ينُسخ القرآن بالسنَّة، لأَنها أَيضًا من عند الله، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] .
والثالث: إذا كانت السنَّة بأَمر الله من طريق الوحْي نسخت، وإن كانت باجتهاد فلا. حكاه ابن حبيب النيسابوريّ في تفسيره.
وقال الشافعي ّ: حيث وقع نسخ القرآن بالسنَّة، فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنَّة بالقرآن معه سنَّة عاضدة له؛ ليتبيَّن توافق القرآن والسنَّة [1] .
و قد ذهب كثير من المحققين إلى أن السنة غير المتواترة لا تنسخ القرآن, وقالوا: إن ما ورد من الأمثلة من السنة الناسخة للقرآن يمكن بالتتبع إثبات أن مع هذه السنة قرأنًا عاضدًا لها, كآية الوصية مثلًا نسخت بآيات المواريث مع الحديث الصحيح:"إنّ الله أعطى كل ذي حق حقه, فلا وصية لوارث [2] "وكذا آية: {وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} {النساء:15} ليست منسوخة بحديث:"خُذوا عَنِي, خُذوا عني, قد جَعَلَ اللهُ لهُنَّ سَبيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ,وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ [3] "ولكن الآية جعلت للإمساك غايةً مبهمة فجاءت السنة وبيَّنت تلك الغاية. وقيل: إن الآية منسوخة بآية سورة النور.
* والنسخ في القرآن على ثلاثة أَضرب:
أَحدها: ما نسخ تلاوته وحكمه معًا. وهو قليل, ويستدل له بقول الله تعالى: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ} {الأعلى:6 - 7} . ومثّلوا له بقول عائشة رضي الله عنها: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1) - السيوطي/ الإتقان (3/ 60) .
(2) - رواه أحمد (17702) والترمذي (2121) وصححه, وأبو داود (2870) والنسائي (3641) وغيرهم.
(3) - رواه أحمد (22718) ومسلم (1690) وأبو داود (4415) والترمذي (1434) وابن ماجة (2550) .