فهرس الكتاب
و الوجه الثالث هو استخدام الإلزام العقلي، فعندما أنكرت الجهمية سبق علم الله قبل خلقه لمخلوقاته، و ردّت ما جاء عن ذلك في القرآن و السنة، كان الدارمي من بين الذين ردوا عليهم زعمهم هذا، فقال: يُقال للجهمي أَعلِم الله أن الساعة آتية أم لا؟ فإن قال: لا، فقد كفر بما أنزل الله على رسوله -عليه الصلاة و السلام-،و كذّب بالبعث و أخبر عن نفسه أنه لا يؤمن به. و إن قال: بلى، فقد أقر بالعلم السابق و انتقض عليه مذهبه في رد علم الله [1] .
و الوجه الرابع هو استخدام العقل لنقض دعوى الاحتكام إلى المعقول دون المنقول، من ذلك أن أبا سعيد الدارمي طالب الجهمية بالرجوع إلى ما كان عليه الصحابة و التابعين، فقال له بعضهم: إنه لا يقول إلا بالمعقول، فردّ عليه الدارمي بمنطق العقل الذي زعم أنه يتبعه، فقال له: (( ها هنا ضللتم عن سواء السبيل، و وقعتم في تيه لا مخرج لكم منه، لأن المعقول ليس بشيء واحد موصوف بحدود عند جميع الناس فيُقتصر عليه، و لو كان كذلك كان راحة للناس، و لقلنا به و لم نعد، و لم يكن الله تبارك و تعالى قال: (( كل حزب بما لديهم فرحون ) )-سورة المؤمنون/ 53 - ، فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه، و المجهول عندهم ما خالفهم، فوجدنا فِرَقكم -معشر الجهمية- في المعقول مختلفين، كل فرقة منكم تدعي أن المعقول عندها ما تدعو إليه، و المجهول ما خالفها؛ فحين رأينا المعقول اختلف منا و منكم، و من جميع أهل الأهواء، و لم نقف له على حد بيّن في كل شيء، رأينا أرشد الوجوه و أهداها أن نرد المعقولات كلها إلى أمر رسول الله-صلى الله عليه و سلم-،و إلى المعقول عند أصحابه-أي الصحابة- المستفيض بين أظهرهم، لأن الوحي كان ينزل بين أظهرهم، فكانوا أعلم بتأويله منا و منكم، و كانوا مؤتلفين في أصول الدين و لم يتفرقوا فيه، و لم تظهر فيهم البدع و الأهواء الحائدة عن الطريق )) [2] .
و الوجه الخامس هو استخدام العقل لإدخال بعض القضايا الكلامية في دائرة الامكان العقلي، و ذلك أن المتكلمين كثيرا ما أنكروا حقائق الدين الغيبية بدعوى مخالفتها للمعقول، فكان بعض أهل الحديث يردون عليهم باستخدام العقل نفسه الذي هم يتحججون به، و يبينون لهم أن ما أنكروه ليس مستحيلا و أن العقل لا ينفيه، و إنما هو ممكن و جائز عقلا، و من ثمّ فإنه لا مبرر لهم في إنكار حقائق الدين الغيبية. فمن ذلك أن ابن جرير الطبيري (ت 310ه) عندما ناقش المتكلمين المنكرين لرؤية الله تعالى يوم القيامة بيّن لهم أنها ممكنة عقلا، لأن كل موصوف رؤيته ليست مستحيلة في حقه، و الجهل بها كالجهل بأنه تعالى عالم و قادر، لكنه -أي الطبري- نبّه إلى أن وجوب الرؤية و توقيتها
(1) الدارمي: المصدر السابق، ص: 153 - 154.
(2) نفس المصدر، ص: 127.