فهرس الكتاب
لا يُعرف إلا بالوحي. و عندما تناول مسألة عذاب القبر و وجود منكر و نكير و أحوال البرزخ، أشار إلى أن الشرع قد أخبرنا بذلك، و أن العقل يُجيز تلك الأمور [1] .
و الوجه السادس هو الاستنتاج المنطقي من المنقول و المعقول، فمن ذلك أن الإمام احمد قال للجهمية: إنكم زعمتم أن الله بذاته في كل مكان، فأخبرونا عن قوله تعالى: (( فلما تجلى ربه للجبل ) )، و الله بزعمكم في الجبل، فلو كان فيه لم يكن قد تجلى له، فتجليه للجبل دليل على أنه لم يكن فيه، و إنما كان على العرش ثم وقع التجلي، فحدث للجبل شيء لم يحدث له قط قبل ذلك [2] .
و عندما زعم نُفاة الصفات أن صفة السمع في حقه تعالى هي بمعنى العلم، احتج عليهم الإمام احمد بقوله تعالى: (( فإن الله سميع عليم ) )،و فيه تفريق بين السمع و العلم، أي أن معنى السمع غير معنى العلم؛ كما أنه لو جاز أن يسمع بغير سمع، لجاز أن يعلم بغير علم و هذا محال، فهو تعالى عالم بعلم و سميع بسمع [3] .
و الوجه السابع هو استخدام العقل لتحديد مجال العقل، فمن ذلك أنه عندما سُئل عبد العزيز بن الماجشون (ت164ه) عن نفي الجهمية للصفات و خوضها فيها، قال: إن العقول عاجزة عن معرفة ذلك، لأن مجالها هو النظر و التفكّر في المخلوقات، و لا يُقال كيف، إلا للمخلوقات، و أما لله فلا يُقال في حقه ذلك، فهو تعالى لا يحول، و لا يزول، و لا يموت، و لا يُبلى، و ليس كمثله شيء؛ و الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، هو: (( عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرا، يجول و يزول، و لا يُرى له سمع و لا بصر ) )، فكيف و الله تعالى ليس كمثله شيء؟ و الذي نفى الصفات تعمقا و تكلفا، فقد استهوته الشياطين و هو في الأرض حيران. لذا فإن العصمة في الدين أن ننتهي حيث انتهى بنا الدين، و لا نجاوز حدوده [4] .
و الوجه الأخير -الثامن- هو استخدام العقل لكشف سوء فهم المتكلمين لمقولات المحدثين، فمن ذلك أن بعض المتكلمين قال للفقيه غلام الخلال البغدادي الحنبلي (ت ق:4ه) : (( إنكم إذا قلتم: لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما أن ضد العلم الجهل قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت سبحانه لنفسه أنه خالق ولم يجز أن يكون خالقا في كل حال بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك وإن لم يكن متكلما في كل حال يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلما في كل حال ) ))) [5] .
(1) الطبري: التبصير، ص: 147، 212، 213.
(2) ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 98.
(3) عبد الواحد التميمي: اعتقاد الإمام احمد بن حنبل، ملحق بطبقات الحنابلة لأبي الحسين بن أبي يعلى، ج2 ص: 293 - 294.
(4) جمال بادي: الآثار الواردة، ج 1 ص: 202 - 203.و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 5 ص: 30 - 31.
(5) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج 1 ص: 274.