الصفحة 25 من 52

و يتبين-من هذا المبحث- أنه وُجد في أصحاب الحديث أئمة كبار لم يقتصروا في ردهم على المتكلمين على الاحتجاج عليهم بالكتاب و السنة و آثار السلف، و إنما و سّعوا دائرة استدلالاتهم لتشمل الاحتكام إلى الإستنتاج المنطقي القائم على العقل و الإيمان، ليُدحضوا مزاعمهم، و ليُبينوا لهم أن العقل ليس حكرا عليهم، و أن استخدامه هو من الدين، و هو كالنقل بجانب أهل الحديث، و أن المسلم الحق هو العقلاني الكامل، لأن الله تعالى قد نفى العقل و الفهم و الفقه عن الضالين في آيات كثيرة، و جعلهم أضل من الأنعام.

الأساس السادس: ضرب الأمثلة النظرية و الواقعية:

احتج أهل الحديث -في ردودهم على المتكلمين- بضرب الأمثلة النظرية و الواقعية، كشواهد لنصرة مذهبهم و دحض مقالات المتكلمين، من ذلك أنه عندما ادعت الجهمية أن الله تعالى في كل مكان من الكون، و أنه ليس مستويا على عرشه، رد عليهم أبو سعيد الدارمي بمثال واقعي، مفاده أنه مما يُبطل دعواهم أن كل الناس في استغاثتهم بالله تعالى و دعائهم و سؤالهم له، يمدون أيديهم و بصرهم إلى السماء، و لا يدعونه من أسفل، و لا من أمام، و لا من خلف، لمعرفتهم أنه تعالى فوقهم، كما أن المصلين في سجودهم يقولون: سبحان ربي الأعلى، و لا يقولون: سبحان ربي الأسفل. و ذكر أيضا أن كل العلماء و الناس يقولون في تفسيرهم للقرآن الكريم: أن سوّره نزلت في مكان كذا، و آياته نزلت في كذا أو كذا؛ و لا يقولون: طلعت من تحت الأرض، و لا جاءت من أمام، و لا من خلف، لأنهم يعلمون أنها نزلت من فوق [1] .

و أشار ابن قتيبة إلى أن الناس يعلمون بالفطرة أن الله تعالى هو العلي و الأعلى، لذا ترتفع الأيدي إليه بالدعاء، و أن كل الأمم تقول: إن الله تعالى في السماء إذا ما تُركت على فطرتها، و لم تُنقل عن ذلك بالتعليم [2] .

و عندما زعمت طائفة من المتكلمين أن الله سميع بلا سمع، و بصير بلا بصر، كان ممن ردّ عليهم في ذلك: ابن جرير الطبري، ردّ عليهم بشواهد واقعية متعارف عليها بين الناس، مؤكدا أن (( الله سميع بصير، و له سمع و بصر، إذ لا يُعقل مُسمى سميعا بصيرا في لغة و لا عقل في النشوء و العادة، إلا من له سمع و بصر ) )،و إذا جاز أن يُقال: سَمِع و أبصر من لا سمع له و لا بصر،؛ فإنه لجائز أن يُقال: تكلّم من لا كلام له، و رحِم من لا رحمة له، و عاقب من لا عقاب له [3] .

(1) الرد على الجهمية، ص: 44،67.

(2) تاويل مختلف الحديث، ص: 252.

(3) الطبري: التبصير، ص: 140، 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت