الصفحة 26 من 52

و من الأمثلة الواقعية التي استخدمها أصحاب الحديث، أنه عندما ادعى الجهمية أن الله تعالى بذاته في كل مكان، كان الإمام أحمد ممن ردّ عليهم في ذلك، مؤكدا على أن الله تتعالى بائن عن خلقه مستوٍ على عرشه، قد أحاط علمه بكل شيء، و لا يخلو مكان منه، و لا يكون علمه في مكان دون آخر، لقوله تعالى: (( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، و أن الله قد أحاط بكل شيء علما ) )، ثم ذكر أمثلة واقعية لتوضيح ما أراد أن يقوله، أولها هو أنه لو تصوّرنا قدحا من زجاج في يد إنسان و بداخله شيء ما، كان نظر هذا الإنسان قد أحاط بالقدح دون أن يكون هو بداخله، فكذلك الله تعالى -و له المثلى الأعلى- قد (( أحاط بجميع ما خلق، و قد علم كيف هو، و ما هو، من غير أن يكون في شيء ممن خلق ) ) [1] .

و المثال الثاني هو لو أن رجلا بنى دارا بجميع مرافقها ثم أغلقها، فإنه لا يخفى عليه ما فيها، من عدد البيوت و سعة كل منها، من غير أن يكون في جوف داره، كذلك الله تعالى-و له المثل الأعلى- قد (( أحاط بجميع ما خلق، و قد علم كيف هو، و ما هو، و له المثل الأعلى، و ليس هو في شيء مما خلق ) ) [2] .

و المثال الثالث هو أن أحمد بن حنبل قال للجهمية: إن الله نور، قالوا له: نعم نور كله؛ فقال لهم: فأخبرونا حين زعمتم (( أن الله سبحانه في كل مكان و هو نور، فَلِم لم يُضيء البيت المظلم بلا سراج؟،و ما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يُضيئه؟. فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى ) ) [3] . فهذه الأمثلة الثلاثة تقرّب إلى الذهن ما يعتقده أهل الحديث من أن الله تعالى بائن عن خلقه مستوٍ على عرشه، و ليس حالا في مخلوقاته مع علمه بها، و هي أمثلة نظرية واقعية تدل على حسن استخدام الإمام احمد لها، و اتساع دائرة نظره لمحيطه.

و عندما أنكرت طائفة من المتكلمين قضاء الله و قدره قبل خلقه لمخلوقاته، كان أحمد بن حنبل من بين المحدثين الذين ردوا عليهم فيما زعموه، فضرب مثالا مفاده أن من زعم أن الزنا ليس بقدر الله، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنا و جاءت بولد، فهل خُلق الولد بمشيئة الله؟، و هل مضى في سابق علمه؟، فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقا، و هذا هو الشرك صراحا. ثم أضاف أنه من زعم أن شرب الخمر و السرقة و أكل المال الحرام ليس بقضاء و قدر، فقد ادعى أن الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، و هذا قول المجوسية. و من زعم أن قتل النفس ليس بقدر من

(1) ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 96.

(2) نفسه، ص: 96.

(3) نفس المصدر، ص: 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت