فهرس الكتاب
الله تعالى، فقد ادعى أن المقتول مات بغير أجله، و أي كفر أوضح من هذا. ثم قرر أن كل ذلك تمّ بقضاء الله و مشيئته و تدبيره [1] .
و ذكر ابن قتيبة أن طائفة من المتكلمين أنكرت حديث الذباب الذي يقول: إنه إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فيه، فإن في أحد جناحيه سما، و في الآخر شفاء، و أنه يُقدم السم و يُؤخر الشفاء )) [2] ، فكان مما قاله هؤلاء المتكلمون: كيف يعلم الذباب بموضع السم فيقدمه و بموضع الشفاء فيُؤخره؟. فردّ عليهم ردا علميا مُفحِما، فمن ذلك أن الحديث المذكور صحيح، و أن في حياة الحيوانات ما يُشير إلى أن لديها وعيا و فهما، كالنملة التي تدخّر في الصيف لفصل الشتاء، و إذا خافت من تعفن ما ادخرته من الحبوب أخرجته إلى ظاهر الأرض و تنشره ليلا، و إذا خافت أن تنبت الحبوب نقرت وسطها لكي لا تنبت [3] .
و في قول الجهمية المعطلة إن معنى استواء الله على العرش، أنه استولى عليه، هو عند الإمام أبي بكر بن خزيمة تبديل لكلام الله و إخراج عن سياقه، و فعل يُشبه فعل اليهود الذين أمرهم الله تعالى أن يقولوا: (( حِطة ) )-سورة البقرة/58 - أي حط أوزارنا، فقالوا: حنطة، خلافا لأمر الله تعالى [4] . و لا شك أن معنى استوى في اللغة ليس هو معنى استولى، لذا فإن الزعم بأن معنى استواء الله على العرش معناه استلاؤه عليه، هو قول خاطئ و معنى باطل في حق الله عزّ و جلّ، لأنه تعالى لا يعجزه شيء، و قولهم يستلزم أنه تعالى لم يكن مستوليا على العرش ثم استولى عليه، و هذا لا يصح في حقه تعالى، و هو قول عليه بلا علم.
الأساس السابع: استخدام أسلوبي الشدة و اللين في الرد على المتكلمين:
استخدم أصحاب الحديث أسلوبي الشدة و اللين في ردهم على المتكلمين، كوسيلة رد و زجر و جذب و وعد و وعيد، و كان لهذين الأسلوبين أوجه كثيرة، فمن أوجه الشدة تكفير أهل الحديث للمتكلمين من المعتزلة و الجهمية، قالوا فيهم ذلك بعدما اطلعوا على مقالاتهم، و تبيّن لهم أنها أوصلتهم إلى الكفر و الزندقة [5] . من ذلك أن أحمد بن حنبل كفّر القائلين بخلق القرآن، لأن القرآن من علم الله و فيه أسمائه تعالى، و من قال بخلقه فهو يزعم أنه لم يكن لله تعالى علم حتى خلقه -أي
(1) ابو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 26.
(2) البخاري: الجامع الصحيح، مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت،1407م.
(3) تأويل مختلف الحديث، ص: 215.
(4) كتاب التوحيد، ج1 ص: 233.
(5) انظر مثلا: البخاري: خلق أفعال العبادو الرد على الجهمي، حققه محمد بن بسيوني، الجزائر، دار الشهاب، ص: 11 و ما بعدها. و عبد الله بن احمد: السنة، 12 و ما بعدها. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 32 و ما بعدها.