فهرس الكتاب
العامي إلا أحد قولين، إما أن يقول هو الله، فيقول له الجهمي: كفرت، و إما أن يقول: ليس هو، فيقول له الجهمي: صدقت، فإن كل ما عدا الله مخلوق، و القرآن ليس هو الله، فهو إذن مخلوق، فيُؤثر فيه و يتّبعه. ثم أشار احمد بن حنبل إلى أن سؤال هذا الجهمي هو من مغالطات الجهمية، لأن السؤال في أساسه خاطئ، لذا فيُقال للجهمي: إن الله لم يقل: إن القرآن أنا، و لا هو غيري، و إنما قال أنه كلامي، لذا فنحن سمينا القرآن باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سماه بغير ذلك كان من الضالين. كما أن الله تعالى قد ميز بين خلقه و قوله، و لم يسم خلقه قولا، فقال: (( ألا له الخلق و الأمر ) )-سورة الأعراف/54 - ففي قوله: (( ألا له الخلق ) )، لم يبق من مخلوقاته شيء إلا دخل فيه، ثم ذكر ما ليس بخلق، فقال: (( و الأمر ) )، و هو -أي الأمر- قول الله تعالى، فلا يكون قوله خلقا [1] .
و السؤال الذي ذكر الإمام احمد أن الجهمية تطرحه على العوام، هو نفسه طرحه بشر المريسي على الواعظ منصور بن عمار، فأرسل إليه يسأله عن القرآن: أهو خالق أو مخلوق؟، فردّ عليه بقوله: إنه لا خالق إلا الله، و ما دونه مخلوق، و أن القرآن الكريم هو كلام الله، و لا يُسم إلا بما سماه الله تعالى، و أن الكلام في القرآن بدعة [2] . فمنصور بن عمار تنبّه إلى أن في سؤال المريسي مغالطة، لذا رد عليه مبينا أن القرآن لا هو الله، ولا هو مخلوق، و إنما هو كلام الله.
و رابعا إظهار مغالطات المتكلمين في دعوى المجاز و التشبيه في تفسيرهم للنصوص الشرعية و تحريفهم لها. من ذلك ما فعله بشر المريسي، فعندما أراد نفي تكلم الله تعالى، زعم أن قوله تعالى: (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) )-سورة النحل/40 - ، هو كقولنا: قالت السماء، بمعنى أمطرت، و قال الجدار، بمعنى مال، و هذا -في رأيه -كله مجاز و تشبيه. فردّ عليه الأديب المحدث أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي (ت 224ه) مبينا أن ذلك التشبيه هو في غير محله، و أنه أُغلوطة استعملها المريسي للتمويه، لأنه إذا (( قلتَ: قالت السماء، ثم سكتَ لم يُدر ما معنى قالت، حتى تقول: فأمطرت، و كذلك إذا قلتَُ: أراد الجدار، ثم لم تبين ما معنى أراد الجدار لم يًدر ما معناه، و إذا قلتُ: قال الله، اكتفيتُ بقوله: قال، فقال -فعل- مكتف لا يحتاج إلى شيء يُستدل به على قال، كما احتجتُ إذا قال الجدار فمال، و إلا لم يكن لقال الجدار معنى، و من قال هذا فليس شيء من الكفر إلا دونه، و من قال هذا فقد قال على الله ما لم يقله اليهود و النصارى، و مذهبه التعطيل للخالق ) ) [3] .
(1) عبد الإله الأحمدي: المسائل و الرسائل، ج 1ص: 209 - 210.
(2) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج7 ص: 66.
(3) البخاري: خلق أفعال العباد، ص: 16، 17.