فهرس الكتاب
ناقشهم في هذه القضية، و قال لهم إن إيمانكم بالعرش هو كإيمان الذين قال الله فيهم: (( الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم ) )-سورة المائدة/ 41 - و (( إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون ) )-سورة البقرة/14 - ، ثم قال لهم-ليكشف مغالطتهم-: أتقرون بالعرش، و أن الله تعالى فوق السماء السابعة تحمله الملائكة، و أنه تعالى بائن عن خلقه، كما وصف به نفسه؟ فأبى أحدهم الاعتراف بذلك، و تردد في الجواب و خلّط و لم يُصرّح؛ ثم قال أحد كبرائهم: لا، إن الله لما خلق الكون سماه عرشا، و استوى على جميع خلقه. ثم قال الدارمي أن قولهم هذا هو في غاية الإنكار و التكذيب لله و رسوله، فهو يُخالف قوله تعالى: (( الذين يحملون العرش من حوله يسبحون بحمد ربهم ) )-سورة غافر/7 - ، فهل هؤلاء هم حملة عرش الله أم حملة خلقه؟، و قوله تعالى: (( و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) )-سورة الحاقة /17 - ، فهل هؤلاء يحملون السموات و الأرض و من فيهن، أم يحملون عرش الرحمن؟، ثم قال لهم أن قولكم يلزمكم أن تقولوا: عرش ربك خلق ربك أجمع، و بهذا تبطلون العرش الأصلي، و تفسيركم هذا لا يشك أحد في بطلانه و استحالته، و هو تكذيب بالعرش الذي ذكره الله تعالى. ثم احتج عليهم أيضا بقول رسول الله -عليه الصلاة و السلام-: (( كان الله و لم يكن شيء قبله، و كان عرشه على الماء ) ) [1] فهذا دليل على أن العرش كان مخلوقا قبل خلق السموات و الأرض؛ ثم نبّه الدارمي إلى أن الجهمية يُغالطون الناس في إظهار إيمانهم بالعرش ليعيشوا بينهم، و هم يُنكرونه في باطنهم، و يُقرون به بألسنتهم لكي لا يُقتلون، لكن حالهم لا يخفى على أهل العلم [2] .
و ثانيا إظهار تلاعبهم بالألفاظ للتمويه و الخداع، فعندما ناقش الإمام أحمد الجهمية و أقام عليهم الدليل على بطلان دعواهم في أن الله تعالى بذاته في كل مكان مع خلقه، قالوا له: هو في (( كل شيء غير مماس لشيء، و لا مباينا له ) )، فردّ عليهم بقوله: إذا كان الله تعالى غير مباين للشيء، أهو مماس له؟ فقالوا: لا، فقال لهم: إن هذا غير ممكن، فكيف (( يكون في كل شيء غير مماس لشيء، و لا مباينا لشيء ) )، فقالوا: بلا كيف، ثم قال احمد أن هؤلاء لم يُحسنوا الجواب عندما قالوا ذلك، و ما قالوه إلا ليخدعوا الجهال بكلمة: بلا كيف، و يُموهوا بها عليهم [3] . لأن كلمة: بلا كيف، مغالطة لا يصح استخدامها مع زعمهم الذي زعموه في أن الله تعالى في كل شيء غير مماس له و لا مباينا له، فهو سفسطة و لعب بالألفاظ.
و ثالثا مغالطاتهم في طرح الأسئلة الخاطئة على العوام للتأثير فيهم و التدليس عليهم بالباطل، فقد ذكر الإمام أحمد أن الجهمي يقول للجاهل من الناس: ما تقول في القرآن، أهو الله أم غيره؟ فلا يجد
(1) البخاري: الصحيح، ج 6 2699، رقم: 6982.
(2) الدارمي: المصدر السابق، ص: 32، 33، 34.
(3) ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش، ص: 98.