فهرس الكتاب
و بشر المريسي هذا نهاه أيضا القاضي أبو يوسف يعقوب من التكلم في القرآن على طريقته الكلامية، و حذّره من مغبة ما هو عليه، و قال له: طلب العلم بالكلام هو الجهل، و الجهل بالكلام هو العلم، و إذا صار المتكلم رأسا في الكلام، قيل زنديق أو رُمي بالزندقة [1] ؛ فلم يستجب له.
و من ذلك أيضا، أنه عندما كتب بِشر المريسي إلى الواعظ منصور بن عمار (ت 225ه) يسأله عن القرآن، أهو خالق أم مخلوق؟ ردّ عليه بقوله: عفانا الله و أياك من كل فتنة، و جعلنا من أهل السنة، ثم بيّن له أن الكلام في القرآن بدعة، و أنه لا خالق إلا الله تعالى، و ما دونه مخلوق، و أن القرآن كلام الله؛ ثم نهاه عما هو فيه، و أن لا يُسم القرآن باسم من عنده، و ختم رده بقوله: (( جعلنا الله و أياك من الذين يخشونه بالغيب، و هم من الساعة مشفقون ) )- [2] .
و كتب إليه -مرة أخرى - يسأله عن قوله تعالى: (( الرحمن على العرش استوى ) )- سورة طه/ 5 - ، كيف استوى؟، فردّ عليه منصور بن عمار بقوله: الاستواء محدود-أي محدد في الشرع- و الجواب فيه تكلّف، و السؤال عنه بدعة، و الإيمان بجملة ذلك واجب، ثم نبهه إلى أن الله تعالى مدح الراسخين في العلم الذين يُؤمنون بكل ما تشابه عليهم، فهم الراسخون في العلم الذين لم يقتحموا الغيوب المحجوبة عنهم، فمدحهم الله عندما اعترفوا بالعجز في تأويل ما لم يُحيطوا به علما، و سمى تركهم لذلك رسوخا، ثم نصحه بالتزام الطريق الذي رسمه له، و حذّره بقوله: (( و لا تجاوز ذلك إلى ما حُظر عنك علمه، فتكون من المتكلفين، و تهلك مع الهالكين، و السلام عليك ) ) [3] . و جوابه هذا هو نصيحة ذهبية بأسلوب جمع بين الرد العلمي و اللين و الشفقة، و الدعاء و التحذير، لكن بشر المريسي لم ينفع معه لين و لا شدة، و ظل متمسكا بمذهبه مصرا عليه معرضا عن الصراط المستقيم.
الأساس الثامن: إظهار مغالطات المتكلمين: تنبّه أهل الحديث إلى أن المتكلمين من المعتزلة و الجهمية و غيرهم، يستخدمون المغالطات و التلبيسات، في طرح أسئلتهم، و عرض مقالاتهم على الناس، للتلبيس عليهم و ترويج أفكارهم بينهم، لذا تصدّوا لهم و كشفوا مغالطاتهم. و قد ذكر أبو سعيد الدارمي أن الجهمية أظهروا للناس (( أُغلوطات من المسائل، و عمايات من الكلام، يُغالطون بها أهل الإسلام، ليُوقعوا في قلوبهم الشك، و يُلبسوا عليهم أمرهم، و يُشككوهم في خالقهم ) ) [4] .
و من مغالطاتهم التي كشفها أهل الحديث، ما ذكره أبو سعيد الدارمي من أنهم يتظاهرون بالإيمان بالعرش لأنه مذكور في القرآن الكريم، ثم يُؤولونه على غير حقيقته على ما يتفق مع مذهبهم، ثم
(1) نفس المصدر، ج7 ص: 66.
(2) نفسه، ج7 ص: 66.
(3) نفس المصدر، ج7 ص: 76 - 77.
(4) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 22.