فهرس الكتاب
و الوجه الرابع هو الحكم بالقتل على الجهمية و من سار على نهجهم، من ذلك أن القاضي وكيع قال: أما الجهمي فأستتيبه، فإن تاب و إلا قتلته [1] . و قال الحافظ عبد الرحمن بن مهدي (ق:3ه) : من زعم أن الله لم يُكلّم موسى-عليه السلام- يُستتاب، فإن تاب و إلا ضُربت عنقه )) ،و في رواية أخرى أنه قال: (( أنا لا أرى أن أستتيب الجهمية ) )،و في أخرى أنه قال: (( الجهمية يُستتابون، فإن تابوا و إلا ضُربت أعناقهم ) )،و في أخرى أنه قال: (( لو كان لي من الأمر شيء، لقمتُ على الجسر-أي جسر بغداد على نهر دجلة- فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن، فإن قال مخلوق، ضربتُ رأسه و رميتُ به في الماء ) ) [2] . و عندما سُئل أحمد بن حنبل عن القدري الذي يقول: إن من الأشياء ما لم يخلقها الله، فهل هو مشرك؟، قال: من قال ذلك و جحد العلم، فهو مُشرك يُستتاب، فإن تاب و إلا قُتل [3] .
و هذه المواقف المتشددة من المحدثين تجاه المتكلمين من المعتزلة و الجهمية و القدرية و غيرهم، هي أحكام مستنبطة من الشرع الحكيم لا من الهوى، لأنهم -أي أهل الحديث- وجدوا في كثير من مقالات هؤلاء المتكلمين ما يتصادم مع الكتاب و السنة، كإنكارهم للقدر و تكليم الله تعالى لموسى -عليه السلام-،و الجدوى من مواقفهم المتشددة تجاههم -أي أهل الكلام-، هو إظهار حكم الشرع فيهم، و تنبيههم إلى خطر ما هم عليه و كشف حالهم للناس، لعل ذلك يكون رادعا لهم أو لبعضهم ليرجعوا إلى منهج أهل الحديث، و يتخلّوا عن منهجهم الكلامي المنحرف.
و أما أسلوب اللين و الموعظة فقد مارسته طائفة من أهل الحديث مع بعض المتكلمين، من ذلك أن الإمام الشافعي التقى بالمتكلم بشر المريسي البغدادي (ت 218ه) فحذّره من الخوض في علم الكلام، و حثه على طلب الفقه و الأخبار، فلم يسمع منه، فقال عنه الشافعي: لا يفلح. [4] و يُروى أن أم بشر المريسي طلبت من الشافعي أن يُكلّم أبنها ليكف عن الكلام، فلما كلّمه لم يستجب له، و دعا المريسي الشافعي نفسه إلى تعاطي علم الكلام، و عندما طالبه الشافعي بأن يأتيه بدليل من الكتاب أو من السنة أو من آثار السلف عن مشروعية خوضه في علم الكلام، قال له: ليس لي دليل من ذلك، و أنا لا أستطيع الخوض في خلافه، و لي فيه نهمة [5] . فهذا الرجل يتبين من كلامه أنه كان مريضا نفسيا و فكريا، ملكت عليه شبهات علم الكلام عقله وقلبه، فأضلته و صرعته و أبعدنه عن نور الله تعالى.
(1) عبد الله بن احمد: نفس المصدر، ص: 14.
(2) نفس المصدر، ص: 16، 17.
(3) الخلال: السنة، ج1 ص: 558.
(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 7 ص: 64.
(5) نفسه، ج 7ص: 64.