فهرس الكتاب
و عندما نفى الجهمية صفة الكلام، و قال لهم أحمد بن حنبل: إن الله تعالى كلّم موسى-عليه السلام-، قالوا له:: (( لم يتكلّم، و لا يتكلّم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، و الجوارح منفية عن الله تعالى ) )، فعقّب هو على زعمهم هذا بقوله: إن كلامهم هذا إذا سمعه الجاهل ظن (( أنهم من أشد الناس تعظيما لله سبحانه، و لم يعلم أن كلامهم إنما يعود إلى ضلالة و كفر ) ) [1] .
و كلام هؤلاء الجهمية لا شك أنه كلام صبياني، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته، و من ثمّ فإن كلامه لا يُشبه كلام البشر و لا يتوقف على الجوارح، و إثباتنا لله و صفاته، هو مجرد إثبات وجود لا إثبات كنه و كيفية؛ و هم -أي الجهمية- أيضا متناقضون مع أنفسهم، فهم عندما اثبتوا وجود الذات الإلهية لم يقولوا أنها تُشبه ذوات المخلوقين، لكنهم عندما تكلّموا في صفاته تعالى شبهوها بصفات مخلوقاته، و غاب عنهم أو تناسوا أن الكلام في الصفات هو فرع عن الكلام في ذاته تعالى، فبما أن ذاته لا تُشبه ذوات مخلوقاته، فإن صفاته هي أيضا لا تشبه صفات خلقه. و سبب ضلالهم هذا أرجعه الإمام ابن خزيمة إلى جهلهم بالشرع و اللغة، و عدم احتكامهم إلى العقول [2] . فهم إذن، لا للنقل الصحيح اتبعوا، و لا للغة العربية فهموا، و لا للعقل الصريح احتكموا.
و الأساس الثاني هو إظهار طعن المتكلمين في المحدثين و افترائهم عليهم، كوسيلة منهم-أي من المحدثين- لمقاومتهم بإظهار أكاذيبهم و التشهير بهم، فقد ذكر ابن قتيبة أن المتكلمين يذمون المحدثين، و يتهمونهم بحمل الكذب و رواية المتناقض من الأحاديث، و الافتراء على الله برواية أحاديث التشبيه، و قالوا عنهم: إنهم من أجهل الناس بما يحملون، و من أبخس الناس حضا فيما يطلبون، قنعوا من العلم برسمه، و من الحديث باسمه، و لا فهم لهم في علم الفقه [3] ؛و أطلقوا عليهم أسماء مُستهجنة، كالحشوية و النابتة و المجبرة [4] .و ذكر ابن خُزيمة أن أهل الكلام يكذبون على أهل الأثر [5] .و كان بشر المريسي و أصحابه يشنعون عليهم بين الناس بأنهم يُكيفون صفات الله تعالى و يُشبهونها بذوات أنفسهم، و هذا افتراء على القوم، فهم يكفّرون كل من يُكيف الصفات و يُشبهها [6] .
و الأساس الثالث هو إظهار عيوب المتكلمين و إعلاء مكانة المحدثين، فذكر ابن قتيبة أن المتكلمين يتظاهرون بمعرفة القياس و حسن النظر و كمال الإرادة، في حين أن في كبار شيوخهم كثير من الجهل و الفساد الخلقي، فقد كان إبراهيم النظام المعتزلي (ت 231ه) يقول في الشرع بلا علم، و يخالف النص و الإجماع معتمدا على هواه، كزعمه أن الأنبياء كلهم بُعثوا إلى كافة الناس، و ليس هذا خاصا بنبينا
(1) ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 99 - 100.
(2) كتاب التوحيد، ج 1ص: 58 - 59.
(3) سنناقش هذه التُهم و نرد عليها لاحقا إن شاء الله تعالى.
(4) تأويل مختلف الحديث، ص: 17، 77.
(5) كتاب التوحيد، ج1 ص: 155.
(6) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج ص: 265.