فهرس الكتاب
محمد -عليه الصلاة و السلام-.و كان -أي النظام- في سلوكه منحرفا، فيشرب الخمر و يرتكب الفواحش و الشائنات، و يطعن في الصحابيين: زيد بن ثابت، و عثمان بن عفان، و يكذب الكذب المفضوح، حتى أنه زعم بأنه رأى انشقاق القمر في زمانه [1] .
و ذكر -أي ابن قتيبة- أن أبا الهُذيل العلاف المعتزلي (ت 236ه) كان كذابا أفاكا منانا. و كان عثمان الجاحظ المعتزلي من أكذب الناس، و أوضعهم للحديث، و أنصرهم للباطل [2] . و أما أئمة أهل الحديث فهم من كبار العلماء و الزهاد، و العُباد الأتقياء، الناس يحبونهم، و عددهم كبير، كسفيان الثوري، و مالك بن أنس، و عبد الرحمن الأوزاعي، و الليث بن سعد، و الفضيل بن عياض، و أحمد بن حنبل [3] .
و الأساس الأخير -أي الرابع- الاستعانة بأهل الاختصاص في مجال اختصاصهم للرد على المتكلمين، من ذلك أن ابن قتيبة استعان بأقوال الأطباء و الفلاسفة عندما أنكر المتكلمون-في زمانه- حديث الذباب، الذي مفاده أنه إذا وقع ذباب في إناء أحدكم فاغمسوه فيه، فإن في أحد جناحيه سما، و في الآخر شفاء، و أنه يُقدّم السم و يُؤخر الشفاء. و قالوا: كيف يكون في شيء واحد سم و شفاء؟. و كيف يعلم الذباب بموضع السم فيُقدمه و بموضع الشفاء، فيُؤخره؟. فرد عليهم ابن قتيبة مبينا أن الحديث صحيح، رُوي من عدة طرق، و أن الأطباء ذكروا أن الحية-و هي بمنزلة الذباب- لحمها شفاء من سمها، و سمها نافع من لدغ العقارب و عض الكلاب، و من الارتعاش و الصرع. و قالوا أيضا أن العقرب إذا شُق بطنها و شُدت على موضع اللسعة نفعت، و إذا أُحرقت العقرب فصارت رمادا، ثم سُقي منها من له الحصاة نفعته. ثم قال: إن صاحب المنطق-أي أرسطو- حكى أن قوما كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون. و ذكر أن الفلاسفة قالوا: إن السلحفاة إذا أكلت أفعى التهمت سعترا جبليا، و أن الكلاب إذا كان في أجوافها دود، أكلت سنبل القمح [4] . فرده هذا-أي ابن قتيبة- هو رد علمي قام على التجربة و شهادة المختصين، و لم يجد ابن قتيبة غضاضة و لا حرجا في الاستعانة بهؤلاء، للرد على المتكلمين المخالفين لأهل الحديث.
و ختاما لتلك الأسس يتبين أن منهج أهل الحديث -في الرد على المتكلمين- قد قام على أسس كثيرة ذكرتُ منها اثني عشر أساسا، كونت في مجملها منهجا كلاميا متميزا و متكاملا، جمع بين المنقول و المعقول، و بين الأثر و الرأي، و بين التجريد و التجريب.
نماذج تطبيقية لمنهج أهل الحديث في الرد على المتكلمين
(1) تأويل مختلف الحديث، ص: 24، 26، 27.
(2) نفس المصدر، ص: 45، 58.
(3) نفس المصدر، ص: 23.
(4) تأويل مختلف الحديث، ص: 213، 214، 215، 216.