الصفحة 36 من 52

كانت لأهل الحديث تطبيقات عملية كثيرة لمنهجهم الكلامي، ردوا بها على المتكلمين، و الأسس التي سبق ذكرها هي نفسها تُعد تطبيقا عمليا لذلك المنهج، و تزيدها تطبيقات هذا المبحث ثراء و عمقا و توضيحا.

أولا: نماذج من المناظرات بين المحدثين و المتكلمين:

أذكرُ منها أربع مناظرات، أولها مناظرة دارت بين الإمام أحمد و معتزلي، انتهت بتكفير أحمد بن حنبل للمعتزلي، و ذلك أنه قال له: ما تقول في علم الله؟ قال: مخلوق، فقال أحمد: كفرتَ بالله [1] . كفّره لأن جواب المعتزلي بخلق علم الله، يعني أنه تعالى كان بغير علم قبل خلق علمه، وهذا محال في حقه تعالى، و وصف له بالجهل، ونقص مُنزه الله عنه، و تشبيه له بالمخلوقات، و زعم باطل، و قول عليه بلا علم.

و الثانية هي أيضا جرت بين الإمام أحمد و معتزلي أيام كان مسجونا، و موضوعها مسألة خلق القرآن، فكان مما قاله المعتزلي لأحمد: أليس في القرآن قوله تعالى: (( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) )-سورة الزخرف/3 - ، و لا يكون المجعول إلا مخلوقا؟، فقال أحمد: قد قال الله تعالى: (( فجعلهم كعصف مأكول ) )-سورة الفيل/3 - ، فهل خلقهم؟، فسكت المعتزلي [2] . عندما لم يجد جوابا، لأنه لا يصح أن يُقال: فخلقهم كعصف مأكول، كما أن الجعل في الآية الأولى لا يُقصد به الخلق، و إنما المقصود به الإنزال بلسان عربي مبين [3] .

و المناظرة الثالثة جرت بين الفقيه عبد العزيز الكِناني (ت240ه) و جهمي، في مسألة علو الله تعالى، فقال الجهمي: (( أَخبِرني كيف استوى على العرش؟، أهو كما يُقال استوى فلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلانا وحده إذا كان عليه، فيُلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده و كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا ) )، فردّ عليه الكِناني بقوله: أما قولك كيف استوى، فإن الله لا يجري عليه كيف استوى؟،و يجب على المؤمنين أن يُصدّقوا ربهم باستوائه على العرش، و يحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يُخبرهم كيف ذلك، و لم تراه العيون في الدنيا لتصفه حسب ما رأت، و هو تعالى قد حرّم عليهم أن يقولوا عليه بلا علم، لذا فهم آمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله.

ثم قال له: (( و لكن يُلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله محدود، و قد حوته الأماكن، إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن، لأنه لا يُعقل شيء في مكان إلا و المكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، و الماء في الجب، فالبيت قد حوى فلانا، و الجب قد حوى الماء، و يُلزمك

(1) جمال بادي: الآثار الواردة، ج 1ص: 378.

(2) نفسه، ج1ص: 378.

(3) عبد الإله الأحمدي: المسائل و الرسائل، ج1 ص: 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت