الصفحة 37 من 52

أشنع من ذلك، لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى، و ذلك أنهم قالوا: إن الله عزّ و جلّ حلَّ في عيسى، و عيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، و أنتم تقولون: إنه في كل مكان، و في بطون النساء كلهن و بدن عيسى، و أبدان الناس كلهم. و يُلزمك أيضا أن تقول: إنه في أجواف الكلاب و الخنازير لأنها أماكن، و عندكم أن الله في كل مكان، تعالى عن ذلك علوا كبيرا )) [1] .

و قال الجهمي -دفاعا عن رأيه-: (( أقول: إن الله في كل مكان، لا شيء في شيء، و لا كالشيء على الشيء، و لا كالشيء خارجا عن الشيء، و لا مباينا للشيء ) )، فردّ عليه الكِناني بقوله: (( فيُقال له: أصل قولك القياس و المعقول، فقد دللّت بالقياس و المعقول أنك لا تعبد شيئا، لأنه لو كان شيئا داخلا فمن القياس و المعقول أن يكون داخلا في الشيء أو خارجا منه، فلما لم يكن-أي الله تعالى- في قولك شيئا، استحال أن يكون كالشيء في الشيء، أو خارجا من الشيء، فوصفت لعمري ملتبسا لا وجود له، و هو دينك و أصل مقالتك التعطيل ) ) [2] .

فالكِناني أراد أن يقول للجهمي: (( إن القياس المعقول يُوجب أن ما لا يكون في الشيء، و لا خارجا منه، فإنه لا يكون شيئا، و أن ذلك صفة تُوجب أن ما لا يكون في الشيء و لا خارجا منه، لا يكون شيئا و أن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له ) ) [3] . كما أنه -أي الكِناني- أظهر لخصمه تهافت مقالته، و بيّن له انحرافه المنهجي في خوضه فيما لا يدركه العقل، و تفطّن لمغالطته عندما أراد أن يجره ليخوض في ذلك، فلم يُسايره و رد عليه ردا عقليا صحيحا، و ألزمه إلزامات شنيعة، و نبّهه إلى أن القياس و المعقول اللذين يدعهما هما أيضا قد دلاّ على تهافت مقالته التي لا سند له فيها من نقل و لا عقل.

و المناظرة الرابعة جرت بين عبد العزيز الكِناني و المتكلم بِشر المريسي، في حضرة الخليفة المعتزلي المأمون بن هارون الرشيد (ت 218ه) ،و موضوعها مسألة خلق القرآن، و فيها طلب المريسي من الكِناني أن لا يُناقشه و لا يحتج عليه بالقرآن و السنة، و أن يُناظره بالقياس و النظر، ثم قال للشهود إنه إن فعل ذلك سيتبعني و يقول بقولي، و إن لم يفعل ذلك فدمي حلال، فوافقه الكِناني و دخل معه في المناظرة، و قال له: إنك تقول: إن القرآن الكريم مخلوق، و هذا يُلزمك واحدا من ثلاثة لا بد منه، إما أن تقول: إن الله خلق القرآن في نفسه، و إما أنه خلقه قائما بذاته و نفسه، و إما أنه خلقه في غيره. فأجاب المريسي: إنه مخلوق، و سكت دون أن يُجيب عن الفروض الثلاثة، و أبى الإجابة عنها، و عندما أمره المأمون بالإجابة، لم يُجب و قال: إن طلب الكِناني أشد عليّ من مطالبته بالنص الشرعي. ثم شرع الكِناني في الإجابة عن الفروض الثلاثة، فإن قال: إن الله خلق كلامه في نفسه،

(1) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج2 ص: 163.

(2) نفسه، ج2ص: 163.

(3) نفسه، ج2 ص: 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت