الصفحة 38 من 52

فهذا محال قياسا و نظرا و عقلا، لأنه تعالى لا يكون مكانا لخلق المخلوقات -أي للحوادث-،و لا يُوجد فيه شيء مخلوق، و لا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه. و إن قال خلقه الله في غيره، فيًلزمه عقلا أن كل كلام خلقه في مخلوقاته هو كلام الله، فلا فرق بين كلامه و كلام مخلوقاته، و يكون كل أقوال الكفر و الفحش و الذم هو كلامه، و هذا مُحال و فضيحة، الله تعالى مُنزه عنهما. و إن قال خلقه الله قائما بذاته و نفسه، فهو مُحال و باطل قياسا و نظرا و عقلا، لأنه لا (( يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، و لا يكون العلم إلا من عالم، و لا القدرة إلا من قدير، و لا يُرى و لا رُئي كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته، و هذا مما لا يُعقل و لا يُعرف، و لا يثبت في نظر و لا قياس و لا غير ذلك؛ فلما استحال من هذه الجهات أن يكون-أي القرآن- مخلوقا، عُلم أنه صفة لله، وصفات الله كلها غير مخلوقة، فبطل قول بِشر ) )، فلقي كلامه استحسان الحاضرين [1] .

فالكِناني أراد أن يقول: إن الله تعالى لا يكون محلا للمخلوقات، ولا موضعا لما جنسه مخلوق، و هو ليس ناقصا فيزيد فيه شيء [2] ؛ و أنه لا كلام بلا متكلم و لا متكلم بلا كلام، و لا علم بلا عالم و لا عالم بلا علم. و موقف المريسي من اشتراطه استبعاد القرآن الكريم و السنة النبوية، هو أمر في غاية التناقض و الغرابة، و انحراف منهجي خطير، كان سببا في انحرافه و انحراف إخوانه من المعتزلة و من سار على منهاجهم في تعاطيهم لعلم الكلام، فلا يوجد من يتكلم في الله بحق إلا الله سبحانه و تعالى، و من اتبع كتابه من عباده المؤمنين.

ثانيا: نماذج من المناقشات الفكرية الكلامية:

كانت لأهل الحديث مناقشات فكرية كثيرة، ردوا من خلالها على مقالات المتكلمين، أذكر منها ثماني مناقشات، أولها مناقشة الفقيه أبي ثور إبراهيم البغدادي (ت240ه) لمرجئة الفقهاء في قولهم: الإيمان هو القول باللسان، و التصديق بالقلب دون العمل بالجوارح [3] ، أي أنهم أخرجوا العمل من الإيمان، فكان مما ناقشهم به أبو ثور قوله: ماذا أراد الله من عباده، عندما أمرهم بالصلاة و الزكاة؟، فهل أراد منهم الإقرار بذلك، أم الإقرار و العمل؟، فإن قالوا أراد الإقرار فقط، فقد كفروا [4] .

و الثانية مناقشة الإمام احمد بن حنبل للجهمية، في إنكارهم علو الله تعالى و زعمهم أنه في كل مكان، فذكر أنه يُقال للجهمي: أليس كان الله و لا شيء معه؟، فيقول: نعم، فيُقال له: عندما

(1) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج1 ص: 356.

(2) نفس المصدر، ج 1 ص: 376.

(3) هناك مرجئة الجهمية، يقولون ان الإيمان هو مجرد التتصديق بالقلب، و هناك أيضا مرجئة الكراّمية، يقولون أن الإيمان هو مجرد القول باللسان. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 7 ص: 242 - 243.

(4) نفسه، ج7 ص: 242 -243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت