فهرس الكتاب
خلق الله تعالى الكون، خلقه في نفسه، أم خارجا عنه؟، فليس أمامه إلا ثلاثة أقاويل، أولها أنه يزعم أنه تعالى خلق خلقه في نفسه، فيكون قد كفر، لأنه زعم أن الجن و الإنس و الشياطين في نفسه. و ثانيها أنه يقول: خلقهم خارجا عن ذاته ثم دخل فيهم، فيكون قد كفر أيضا، لأنه ادعى أنه تعالى دخل في كل مكان وحش و قذر. و ثالثها أنه يقول: خلقهم خارجا عن نفسه و لم يدخل فيهم، فيكون قد خرج عن قوله كلية، و قال برأي أهل السنة لأن ذلك هو قولهم [1] .
و الثالثة هي مناقشة المفسر ابن جرير الطبري (ت310ه) للمتكلمين المؤولين للصفات، كتأويلهم قوله تعالى: (( و جاء ربك و الملك صفا صفا ) )، فقالوا: جاء أمر بك. فناقشهم في زعمهم، و بيّن لهم أن قولهم هو تعطيل للآية و تحريف لها، لأن الآية قالت صراحة: (( و جاء ربك ) )،و لم تقل: و جاء أمر ربك. ثم توسع في مناقشتهم و طالبهم بالدليل في حملهم نزول الله تعالى و مجيئه على صفات البشر، و قال: إنهم ادعوا أن ذلك -أي النزول و المجيء- لا يجوز على الله، لأنه من صفات الأجسام، وردّ عليهم بأن ما ذهبوا إليه غير صحيح، لأن الجسمية لا تجوز في حقه تعالى، و عليه فإن إثبات صفاته كالنزول و المجيء ليس تجسيما، لأن صفاته تعالى لا تُشبه صفات مخلوقاته [2] .
و المناقشة الرابعة هي أيضا للطبري، ناقش فيها المتكلمين القائلين بخلق القرآن مناقشة مطوّلة، قرر فيها أن القرآن غير مخلوق و ليس بخالق، لأن (( الكلام لا يجوز أن يكون كلاما إلا لمتكلم، لأنه -أي الكلام- ليس بجسم فيقوم بذاته قيام الأجسام بأنفسها. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك، إنه غير جائز أن يكون خالقا، بل الواجب إذا كان ذلك كذلك، أن يكون كلاما للخالق، و إذا كان كلاما للخالق، و بطُل أن يكون خالقا، لم يكن أن يكون مخلوقا، لأنه لا يقوم بذاته و أنه صفة، و الصفات لا تقوم بنفسها، و إنما تقوم بالموصوف بها، كالألوان و الطعوم، و الأراييح و الشم، لا يقوم شيء من ذلك بذاته، فكذلك الكلام صفة من الصفات لا تقوم إلا بالموصوف بها ) ) [3] .
ثم قال: و من أبى ما قلناه في ذلك، قيل له: هل الكلام المخلوق الذي تكلّم به الله، خلقه في ذاته عندما كان عنده، أم خلقه في عيره، أم خلقه قائما بنفسه منفصلا عنه، فإن زعم القائل بذلك من أنه تعالى خلقه في ذاته، فقد (( أوجب أن تكون ذاته محلا للخلق، و ذلك عند الجميع كفر ) )،و إن زعم أنه تعالى خلقه منفصلا عنه قائما بنفسه، قيل له: (( أفيجوز أن يخلق لونا قائما بنفسه، و طعما و ذواقا ) ) [4] ، فإن قال: لا، قيل له: (( فما الفرق بينك و بين من أجاز ما أبيت من قيام الألوان و الطعوم بأنفسها، و أنكر ما أجزت من قيام الكلام بنفسه؟! ثم يُسأل الفرق بين ذلك، و لا
(1) ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 97.
(2) الطبري: التبصير، ص: 144، 146، 155.
(3) نفس المصدر، ص: 201.
(4) أي يكون هو الطعام، و هو الذي يذوقه، و بمعنى آخر هو الأكل و الآكل.