الصفحة 40 من 52

فرق )) [1] . و إن قال: بل خلقه قائما بغيره، قيل له: أخلقه قائما بغيره و هو صفة له؟، فإن قال: بلى، قيل له: (( أفيجوز أن يخلق لونا في غبره، فيكون هو الملوَّن، كما خلق الكلام في غيره، فكان هو المتكلّم، و كذلك يخلق حركة في غيره، فيكون هو المتحرك بها، فإن أبى ذلك سُئل الفرق، ... و إن أجاز ذلك أوجب أن يكون -أي الله تعالى- إذا خلق حركة في غيره، فهو المتحرك، و إذا خلق لونا في غيره، فهو المتلون به، و ذلك عندنا و عندهم كفر و جهل، ... و في فساد هذه المعاني-التي وصفنا- الدلالة الواضحة، إذ كان لا وجه لخلق الأشياء إلا بعض هذه الوجوه، صحّ أن كلام الله صفة له، غير خالق و مخلوق، و أن معاني الخلق عنه منفية ) ) [2] . و قد بينت هذه المناقشة الفكرية مدى عمق فكر ابن جرير الطبري، و قوةة حجته، و تمكّنه من الأسلوب الجدلي، و معرفته بمقالات المتكلمين في عصره.

و المناقشة الخامسة هي لأبي بكر بن خزيمة، رد فيها على الجهمية، في نفيهم صفة الوجه، و اتهامهم لأهل الحديث بالتشبيه، و تسميتهم مشبهة، فقال لهم: إن الشرع قد أثبت أن لله وجها باقيا، من النور و الضياء و البهاء، و هو عكس وجوه بني آدم الفانية، التي لا نور فيها و لا ضياء و لا بهاء، و هي مخلوقة فانية؛ ثم تساءل: هل يُعقل أن يخطر ببال عاقل يفهم لغة العرب و معنى التشبيه، أن يُشبّه الوجه الأول بالثاني؟! أليس ذلك مجرد اتفاق في الاسم لا غير؟، فلو كان ذلك تشبيها لكان قولنا: وجه الإنسان، و وجه القردة و الخنازير و الكلاب و الحمير و السباع و العقارب و الحيات، هو تشبيه لوجوه بني آدم بوجوه تلك الحيوانات؛ فهذا التشبيه غير صحيح، و لو قال ذلك إنسان لحُكم عليه بزوال العقل و رفع القلم، و رُمي بالكذب و الزور و البهت. فإذا كان هذا التشبيه لا يصح بين وجه الإنسان و أوجه مخلوقات قريبة منه من حيث الشبه، فكيف يلزم أن يُقال لأهل الحديث: أنتم شبّهتم بقولكم هذا؟، لذا فإن من رماهم بالتشبيه فقد قال الباطل و الزور و الكذب، و خالف الكتاب و السنة، و خرج عن لسان العرب. ثم ذكر أن الجهمية المعطلة أوّلت صفة الوجه بقولها: هو كما تقول العرب وجه الكلام، و وجه الدار، و وجه الثوب، و هذه وجوه مخلوقة، فرد عليهم بقوله: إن قولكم هذا هو فضيحة، و قبح و تناقض، و تشبيه، عندما شبهتم وجه الله بتلك الوجوه [3] .

و مثالهم الأخير الذي ذكره عنهم ابن خزيمة، هو في حقيقته نقض لمقولتهم، لأنه إذا كان لكل من الكلام و الدار و الثوب و الإنسان و الحيوان و السيارة، وجه، و كل وجه لا يُشبه الآخر، فهذا يعني أن هذه المخلوقات تشابهت في اسم الوجه، و اختلفت في كيفية كل وجه و حقيقتة، فإذا كان هذا التباين حقيقة مشاهدة بين المخلوقات، فلا شك أنه لا يمكن أن نسوي بين وجه الله تعالى و وجه

(1) يريد أن يقول أن الكلام لا يقوم بنفسه، فهو كالطعوم و الألوان لا تقوم بنفسها.

(2) الطبري: المصدر السابق، ص: 202 - 203.

(3) كتاب التوحيد، ج1 ص: 53 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت