فهرس الكتاب
الإنسان،،و إنما هو مجرد اشتراك في الاسم لا غير، لذا فإن إثبات أهل الحديث صفة الوجه لله تعالى هو إثبات وجود لا إثبات كيفية.
و المناقشة السادسة هي أيضا لابن خزيمة، ناقش فيها الجهمية في زعمهم أن الفعل هو المفعول، و كُن هو الخلق، و ردّ عليهم بقوله: إن الله تعالى فرقّ بين الخلق و الأمر، و أنه يخلق بقوله: كن، فقال: (( ألا له الخلق و الأمر ) )-سورة الأعراف/ 54 - ،و (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) )-سورة النحل/40 - ، فالخلق يكون بكلامه تعالى، و هو (( كن ) )،و القول الذي هو: كن، ليس هو المُكوَّن -أي المخلوق -،و مما يبطل زعمهم- أي الجهمية- أنه لو كان ما ادعوه حقا، لكان الله يخلق الخلق و يكونه بِخَلَقَ، و لو كان قوله (( كن ) )خلقا، يُقال لهم: يا جهلة، إن قولكم يستلزم أن قوله تعالى (( كن ) )إنما يخلقه بقول قبله، و هو عندكم خلق، و ذلك القول يخلقه بقول قبله و هو خلق، حتى يصير إلى ما لا نهاية له و لا عدد و لا أول، و في هذا إبطال تكوين الخلق و إنشاء البرية؛ و هذا قول لا يتوهمه ذو لب لو تفكّر فيه. ثم استدل عليهم بقوله تعالى: (( و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره ) )-سورة الأعراف/54 - ، فهل يُقال أنه تعالى سخر ذلك بخلقه؟ و (( أليس مفهوما عند من يعقل عن الله خطابه، أن الأمر الذي سخّر به المُسَخَّر غير المُسَخَّر بالأمر ) ) [1] .
و المناقشة السابعة هي للأديب المحدث أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي (ت 224ه) ، رد فيها على الجهمية في موقفهم من مسألة خلق القرآن، فقال: (( إذا قال لك الجهمي أخبرني عن القرآن، أهو الله أم غير الله؟، فإن الجواب أن يُقال: أحلت - من المحال- في مسألتك، لأن الله وصفه-أي القرآن- بوصف لا يقع عليه في مسألتك، قال الله: (( ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) )، فهو من الله، و لم يقل هو أنا و لا هو غيري، و إنما سماه كلامه، فليس عندنا غير ما حلاه، و ننفي عنه ما نفى عنه )) ، ثم قال: (( فإن قالوا أرأيتم قوله (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) )، فالقرآن شيء فهو مخلوق، قيل له: ليس قول الله يُقال له شيء، ألا تسمع كلامه (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) )، فأخبرك أن القول كان منه قبل الشيء، فالقول من الله سبق الشيء، و معنى قوله كن، أي كان في علمه أن يُكوّنه )) [2] . و كلامه هذا صحيح، لكنني أرى أن الشيء لا يعني بالضرورة المخلوق، فقد يعني الموجود، و الموجود قد يكون مخلوقا و غير مخلوق، فالله تعالى موجود و هو أزلي حي لا يموت، و القرآن الكريم موجود و هو كلام الله غير مخلوق. و الله تعالى قد أطلق على نفسه بأنه (( شيء ) )، في قوله سبحانه: (( قل أي شيء أكبر شهادة، قل: الله شهيد بيني و بينكم ) )-سورة الأنعام/19 )) .
(1) نفس المصدر، ص: 391، 392.
(2) عبد الله بن أحمد: السنة، ص: 34 - 35.