الصفحة 42 من 52

و المناقشة الأخيرة -أي الثامنة- هي أيضا للقاسم بن سلام، رد فيها على الجهمية في احتجاجهم ببعض آيات القرآن الكريم لدعم زعمهم بأنه مخلوق، منها قوله تعالى: (( إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، و كلمته ألقاها إلى مريم، و روح منه ) )-سورة النساء/171 - ، فقالت الجهمية لأهل السنة: أنتم قلتم بقول النصارى في أن المسيح كلمة الله، و هو من مخلوقاته، و انتم تقولون أن كلام الله غير مخلوق،،و عيسى من كلام الله. فردّ عليهم ابن سلام بقوله: إن الآية لا تعني ما ذهبتم إليه، و معناها أنه تعالى خلق عيسى بالكلمة التي ألقاها إلى مريم، لا أنه هو الكلمة، كما في قوله تعالى: (( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) )-سورة آل عمران/59 - ، و هذا يعني أن خلق آدم و عيسى تمّ بقول: (( كن ) )، و هي الكلمة. و منها -أي الآيات- قوله تعالى: (( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) )، فقالت الجهمية، أن الآية قد صرّحت بأن القرآن محدث، و انتم قلتم ليس بمحدث، فردّ عليهم ابن سلام بقوله: إن ذلك تحريف منهم للآية، و معناها أن القرآن محدث بالنسبة للنبي-عليه الصلاة و السلام- و أصحابه، لما علمه الله ما لم يكن يعلم، و بمعنى آخر أنه كان جديدا عليهم لا أنه مخلوق [1] .

و واضح مما حكاه ابن سلام عن الجهمية في احتجاجهم بالقرآن الكريم، أنهم يتلاعبون به، و لا يفهمونه على حقيقته، و يعتمدون على متشابهه و يتركون محكمه، و أنهم لا يجمعون الآيات ذات الموضوع الواحد ليفهموهما فهما صحيحا، و إنما يخطفون بعضها خطفا، و يقطعونها عن سياقها قطعا، حسب أهوائهم و مصالحهم.

و أشير في هذا المقام إلى أن أهل الحديث قد اتفقوا على أن القرآن غير مخلوق، و اختلفوا في: هل لفظنا بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟، فمنهم من قال: إن لفظنا بالقرآن مخلوق، و فرّق بين التلاوة و المتلو. و منهم من قال: إن لفظنا بالقرآن غير مخلوق، و لم يٌفرّق بين التلاوة و المتلو. و منهم من أمسك و جهّم من قال: لفظنا بالقرآن مخلوق، و بدّع من قال غير مخلوق [2] .

و كان الإمام أحمد ينكر على من قال: لفظي غير مخلوق، و على من قال: مخلوق؛ لكن يبدو أنه غيّر موقفه من المسألة، لما رُوي أنه فرّق بين الصوت الذي هو صوت القارئ، و بين الكلام المتلو الذي هو كلام البارئ [3] . و يُعتبر الإمام البخاري من أكثر أهل الحديث-في زمانه- بحثا في هذه المسألة، فقد تناولها بالتفصيل في كتابه: خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية، و توصل فيه إلى أن التلاوة من

(1) البخاري: خلق أفعال العباد، ص: 29 - 30.

(2) جمال بادي: الآثار الواردة، ج 1ص: 427، 428. و ابن القيم الجوزية: مختصر الصواعق المرسلة، ج 2ص: 660 - 661.

(3) عبد الإله الأحمدي: المسائل، ج1 ص: 232، 242،و ما بعدها، و 412. و البيهقي: الأسماء و الصفات، ج1ص: 306، 405، 406.و ابن القيم الجوزية: مختصر الصواعق المرسلة، ج2 ص: 660، 667.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت