الصفحة 43 من 52

العبد، و المقروء المتلو هو كلام الله تعالى، معتمدا على آيات و أحاديث كثيرة، و قد وافقه على رأيه الإمام مسلم صاحب الصحيح [1] .

و يرى ابن القيم الجوزية أن البخاري هو الأعلم، و موقفه هو الأولى بالصواب، و كلامه أوضح و أمتن من كلام مخالفيه، الذين لم يفهموا مراده، و تمسّكوا بما هو مستفيض عن احمد بن حنبل، من أنه جَهّم من قال: لفضي بالقرآن مخلوق، و بدّع من قال: غير مخلوق. و موقفه هذا هو سد للذريعة من إطلاق لفظ مخلوق نفيا و إثباتا على اللفظ، لأن اللفظ قد يُراد به أمران، الأول: الملفوظ نفسه، و هو القرآن الكريم، و الثاني هو: التلفّظ به و الأداء، و هو فعل العبد، لذا منع أحمد الإطلاقين، خوفا من الوقوع في المحظور [2] .

و لا يوجد تعارض بين موقفي الإمام أحمد و البخاري، لإختلاف الحالات المردود عليها، فأحمد جهّم القائلين برأي الجهمية ليحول دون الوصول إلى القول بخلق القرآن،،و بدّع القائلين بأن ألفاظنا مخلوقة سدا للذريعة. و أما البخاري فرد على الذين بدّعهم أحمد، و بيّن الفرق بين التلاوة و المتلو. و مسألة اللفظ هذه أوضح و لا إشكال فيها، بالمقارنة إلى قضية خلق القرآن، لأن النظرة البديهية الموضوعية تحكم -بما لا يدع مجالا للشك- أن الأصوات هي أصوات البشر و هي مخلوقة، و أن المقروء المتلو هو كلام الله تعالى ليس بمخلوق.

ثالثا: أقوال و استنتاجات للمحدثين في نقد المتكلمين:

كانت لأهل الحديث أقوال و استنتاجات و إلزامات كثيرة هي في غاية الفهم و النباهة، و من صميم تطبيقات منهجهم الكلامي في ردهم على المتكلمين و إظهار تلبيساتهم و انحرافاتهم، أذكر منها طائفة، أولا، إنه عندما سأل رجل أحمد بن حنبل عن مسألة خلق القرآن، قال له الإمام احمد: (( ألست مخلوقا؟، فقال: بلى، فقال له: أوليس كلامك منك؟، فقال الرجل: بلى، فقال له احمد: و الله ليس بمخلوق، و كلامه منه. و معنى كلامه أن (( المخلوق إذا كان كلامه صفة له، هو داخل في مسمى اسمه و هو قائم به، فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخل في مسمى اسمه، و هو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، و عدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، و الخالق أحق بكل كمال من غيره ) ) [3] .

و عندما قال رجل لأحمد بن حنبل: أنا مؤمن و لا شيء عليّ، و هل الناس إلا مؤمن و كافر؟، غضب الإمام احمد، و قال: (( هذا كلام الإرجاء، لأنه - أي احمد- تنبّه لتلاعب الرجل بالألفاظ، و

(1) انظر: خلق أفعال العبا، ص: 75، 76، 84، 86.و البيهقي: المصدر السابق، ج1ص: 306.

(2) ابن القيم: المصدر السابق، ج 2 ص: 660، 661، 664.

(3) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج 1 ص: 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت