الصفحة 44 من 52

لمِا تحتها من زيغ، لأنه قال برأي المرجئة القائلين بأن الإيمان هو مجرد القول باللسان )) [1] ،و لا تدخل فيه أعمال القلوب و الجوارح، هذا فضلا على أنه شهد لنفسه بالإيمان و لم يستثن فيه، و من ثمّ فهو قد ضمن لنفسه دخول الجنة التي لا يدخلها إلا المؤمنون.

و ثانيا إن ابن خزيمة استنتج من نفي الجهمية لصفات الله الواردة في الكتاب و السنة، أن نفيهم هذا يؤدي بهم إلى القول بأن الله تعالى عدم، لأن الذي لا صفة له، فهو معدوم [2] . و استنتاجه هذا منطقي صحيح، لأنه لا يمكن تصوّر كائن حي أو ميت لا صفة له، فإن كان حيا فله صفات الأحياء، و إن كان ميتا فله صفات الأموات، و أما الكائن الذي لا صفات له فهو المعدوم.

و عندما زعم بعض المتكلمين أنه لا يُقال: القرآن مكتوب في المصحف، و إنما يُقال: القرآن بعينه في المصحف. بمعنى أنه بأعيانه و موضوعاته في المصحف، ردّ عليه الإمام البخاري مبينا أن زعمه الباطل يُلزمه أن يقول: إن الذين ذكرهم الله في القرآن من الجن و الإنس، و الملائكة و المدن، و إبليس و فرعون، هم بأعيانهم في المصحف. و يُلزمه أيضا أنه عندما يقرأ قوله تعالى: (( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) )-سورة البقرة/255 - ، أن يرى ما ذكرته الآية بعينه [3] .

و ثالثا إن المحدث أبا سعيد الدارمي ألزم الجهمية إلزامات شنيعة، ورد عليهم ردا حاسما، عندما زعموا أن الله لا يعلم بالأشياء قبل خلقها، و إنما يعلمها بعد خلقه لها، فقال لهم: كيف علم الله -في مذهبكم- بقيام الساعة و هي لم تقم بعد، و لا تكون إلا بعد فناء الخلق؟!، ثم قال: فإن هم أقروا بقيام الساعة (( لزمهم أن يُقروا له-أي لله- بعلم كل شيء دونها ) )،و إن أنكروا علم الله لما دون القيامة، لزمهم إنكارها، لأن علمه بها كعلمه بالخلق و أعمالهم على حد سواء، لذا فمن لم يُؤمن بأحدهما لزمه أن لا يؤمن بالآخر )) . ثم قال: يُقال للجهمي: أعَلِم الله أن الساعة آتية؟، فإن قال: لا، فقد كفر و كذّب بالبعث، و أظهر أنه لا يؤمن به؛ و إن قال: بلى، فقد أقر بكل العلم شاء أم أبى. و يُقال له أيضا: هل علم الله أنه سيخلق الخلق قبل خلقهم؟، فإن قال: لا، فقد كفر، و إن قال: نعم، فقد أقر بعلم الله السابق قبل الخلق، و انتقض عليه (( مذهبه في رد علم الله، و هو منتقض عليه على زعمه ) ) [4] .

و رابعا إنه كانت لأصحاب الحديث أقوال كثيرة في الرد على أهل الكلام لها أهمية كبيرة، تنطوي على استنتاجات عقلية شرعية دقيقة هادفة، منها أن الإمام عبد الله بن المبارك قال: (( لئن أحكي كلام اليهود و النصارى، أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية ) ).و قال أيضا: (( ليس يعبد

(1) الخلال: السنة، ج1 ص: 567.

(2) كتاب التوحيد، ج 1ص: 26.

(3) خلق أفعال العباد، ص: 173.

(4) الرد على الجهمية، ص: 132، 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت