فهرس الكتاب
الجهمية شيئا )) ، و (( كل قوم يعرفون ما يعبدون إلا الجهمية ) ) [1] . و ذلك أن الجهمية بنفيهم لصفات الله تعالى انتهى بهم الأمر إلى تعطيله و تشبيهه تعالى بالجمادات و المعدومات.
و كان الزاهد الفضيل بن عياض يقول: (( إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ) ) [2] .و معنى كلامه أن من كمال الألوهية أن يفعل الله تعالى ما يشاء، من نزول و استواء و له في ذلك المثل الأعلى، (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )،و في ذلك إثبات لقيام الصفات الاختيارية بذاته تعالى.
و منها إن الفقيه وكيع بن الجراح (ت197ه) قال عن القائلين بخلق القرآن: (( لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر أقوالهم، و إنما يذهبون إلى التعطيل ) ) [3] . و تحذيره هذا بناه على استنتاج ما ينتهي إليه قول القائلين بخلق القرآن، من زيغ و تعطيل لصفة الكلام، فهم بما أنهم نفوا الصفات الإلهية، و وجدوا المسلمين يعتقدون و يقولون أن القرآن هو كلام الله، و أنه تعالى يتكلم و كلّم بعض أنبيائه، قالوا: إن القرآن مخلوق كباقي المخلوقات، و ليس هو من كلام الله تعالى، بناء على زعمهم الباطل في نفي الصفات و تعطيلها. و فيهم قال هارون بن معروف: (( من قال القرآن مخلوق فهو يعبد صنما ) ) [4] . لأن القول بخلق القرآن يعني أنه ليس كلام الله، و أنه تعالى لم يتكلم به و لا يتكلّم، فالقائل بذلك إذن يعبد صنما. و قد قال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة، لأنهم شبّهوا ربهم بالصنم و الأصم و الأبكم، الذي لا يسمع و لا يُبصر و لا يتكلّم و لا يخلق [5] .
و كان الإمام الشافعي يقول: (( من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله مخلوق،،و من زعم أن الله مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة هؤلاء زنادقة ) ) [6] . و معنى كلامه، أنه إذا كان القرآن مخلوقا، و هو من علم الله و كلامه، يستلزم أن تكون صفتا العلم و الكلام مخلوقتين و من يتصف بهما فهو مخلوق أيضا، و هذا كفر صريح بلا شك.
و كان الفقيه يوسف بن يحيى البويطي (ت231ه) يُفرّق بين الخلق و الأمر في مسألة خلق القرآن، و يقول: (( إنما خلق الله الخلق ب: كُن، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقا خُلق بمخلوق ) ) [7] . و
(1) الدارمي: المصدر السابق، ص: 26، 31.و عبد الله بن أحمد: السنة، ص: 12. البخاري: خلق أفعال العباد، ص: 20.
(2) البخاري: نفس المصدر، ص: 17.
(3) نفس المصدر، ص: 19.
(4) عبد اله بن احمد: المصدر السابق، ص: 19، 40.
(5) البخاري: المصدر السابق، ص: 28.
(6) عبد الله بن احمد: المصدر السابق، ص: 14.
(7) جمال بادي: الآثار الواردة، ج 1 ص: 367.