الصفحة 46 من 52

قال الدارمي-في رده على منكري صفة الكلام-: (( كيف يعجز عن الكلام من علّم العباد الكلام، وأنطق الأنام؟ ) )، و ذكر أنه لا ينكر كلام الله إلا من أراد إبطال ما أنزل الله [1] .

و عندما سُئل احمد بن حنبل عن القدَري الذي يجحد علم الله، قال: إذ قال العلم مخلوق، فهو كافر، لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه [2] . أي أنه زعم أن الله تعالى كان جاهلا بما سيخلقه مستقبلا، و لم يعلمه إلا بعدما خلقه، و هذا كلام باطل لا يقوله عاقل يحترم عقله و يقدّر الله تعالى حق قدره. و عندما سُئل عن القَدَر، قال -أي احمد-: (( القدر قدرة الله ) ) [3] ، فمن أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله على خلق المخلوقات و كتابتها و تقديرها.

و يُروى أن رجلا سأل بعض أهل الحديث عن قوله تعالى: (( الرحمن على العرش استوى ) )، فقال له: هو على عرشه كما أخبرنا الله تعالى، فقال الرجل: ليس هذا معناه، و إنما معناه: استولى، فقال له المحدث: اسكت، ما أنت و هذا، إنه لا يُقال استولى الشيء على الشيء، إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى [4] . فهذا الرجل ردد ما يزعمه المتكلّمون المؤولون لصفة الاستواء على العرش، فرد عليه المحدث برد حاسم، بيّن له فيه أن قوله غير صحيح، لأنه ليس لله تعالى مضاد ثم غلبه حتى يُقال استولى على العرش، هذا فضلا على أن الفارق اللغوي بين معنى استوى و استولى واضح جدا، فهما ليستا مترادفتين، و معناهما مختلفان؛ فقول ذلك الرجل و من وافقه، هو كلام على الله بلا علم، و زور من القول.

و يتبيّن مما ذكرناه أنه كانت لأهل الحديث -في ردودهم على المتكلمين- مناظرات و مناقشات و أقوال كثيرة، مليئة بالشواهد الشرعية و الاستنتاجات العقلية و الردود الحاسمة، هي جديرة بالتدبر و التنويه، أقاموها على أسس منهجهم الكلامي النقدي المتميز.

رابعا: رد اتهامات موجهة لأهل الحديث:

يتهم المتكلمون أهل الحديث بأنهم من المقلدين و ليسوا من أهل النظر و الاستدلال، و أنهم من المنكرين لحجة العقل؛ و هم من أجهل الناس بما يحملونه، و من أبخسهم حظا فيما يطلبونه، قنعوا من العلم برسمه، و من الحديث باسمه، حتى أن إمام الحرمين الجويني (ت478ه) ذكر في كتابه البرهان، أن مذهب أحمد بن حنبل ينهي عن ملابسة النظر العقلي و الاشتغال به. و قالوا عنهم أيضا بأنهم حشوية مشبهة [5] .

(1) الرد على الجهمية، ص: 155

(2) الخلال: السنة، ج1 ص: 329.

(3) جمال بادي: المصدر السابق، ج1 ص: 135، 137.

(4) الموفق بن قدامة المقدسي: إثبات صفة العلو حققه بدر بن عبد الله البدر، ط2 الكويت، دار ابن الأثير، ص: 131.

(5) عن ذلك انظر: ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 15، 17، 75، 77. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 38، 55، 56.و درء تعارض العقل، ج 3ص: 371.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت